د. نادر على
تمثل " سشات "أحد الأركان الأساسية للمعرفة والحكمة، حيث تجسدت في هذه النتر المصرية القديمة صورة المرأة الحكيمة التي منحت البشرية فنون الكتابة والهندسة الفلكية. "سشات" ليست مجرد نتر في البانثيون المصري، بل هي رمز للذكاء الأنثوي الذي ساهم بشكل فعال في بناء أسس العلم والمعرفة في مصر القديمة.
"سشات" التي لقبت بـ"سفخت عبو"، وهي التي تحمل قرون السبعة، كانت تعتبر مخترعة الكتابة وأول من قدم للإنسانية وسيلة لتوثيق المعرفة والأحداث. قدمت في الرسومات المصرية ككاتبة ومسجلة، وكان لها دور بارز في تنظيم الحياة الدينية والعلمية، إذ كانت مسؤولة عن تصميم المعابد وتأسيسها وفقًا لأصول هندسية وفلكية دقيقة.
الهندسة والفلك لم يكونا مجرد علوم بالنسبة للمصريين القدماء، بل كان لهما ارتباط وثيق بحياتهم اليومية؛ فمواقيت الفيضان، والزراعة، والحصاد كانت تحدد بدقة وفقًا للمعرفة الفلكية التي ساهمت "سشات" في تطويرها. لم تتوقف إسهاماتها عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل علوم الرياضيات والإحصاء، مما جعلها تشكل حجر الأساس في تأسيس ما يُعرف اليوم بالمكتبات، حيث قامت بجمع اللفائف والبرديات التي تحتوي على علوم متنوعة.
صُوّرت "سشات" في الفنون المصرية القديمة على هيئة امرأة، يعلو رأسها تاج مميز يتألف من سبع وحدات تشبه النجمة، تعلوه قرنان مقلوبان، وكل هذا مثبت على قمة عمود أو سارية. كانت هليوبوليس (أون) مقرها الأساسي، وهناك ظهرت في مشاهد من عصر الدولتين القديمة والوسطى، وهي تسجل الغنائم وأسرى الحرب. في عصر الدولة الحديثة، لعبت دورًا أساسيًا في تحديد سنوات الحكم الملكي عبر وضع اسم الملك على أوراق شجرة الحياة.
تجسد "سشات" رؤية المصريين القدماء للمرأة كرمز للعلم والحكمة، بعيدًا عن الصور النمطية التي تصور المرأة ككائن تابع أو أدنى. في حضارة عظيمة مثل الحضارة المصرية، كانت المرأة رمزًا للإبداع والمعرفة، و"سشات" هي أحد أعظم تجسيدات هذا الفكر المتقدم. إنها ليست مجرد شخصية أسطورية، بل هي تجسيد لقوة العلم والعقل في الحضارة المصرية القديمة.
التعليقات الأخيرة