سماح إبراهيم
عندما نقف أمام المسلة الناقصة في أسوان، نشعر بأننا أمام أحد أعظم الشواهد التي خلفها لنا المصريون القدماء. هذه المسلة التي لم يُكتب لها أن ترى النور مكتملة، تجسد بوضوح القوة والعزم الذي أبداه أجدادنا في نحت الصخور والجبال لبناء صروحهم المعمارية العملاقة. في الوقت الذي يسعى فيه البعض للترويج لنظريات تتحدث عن تدخلات خارجية أو كائنات فضائية في بناء الحضارة المصرية، تقف هذه المسلة كدليل دامغ على أن هذه الحضارة بُنيت بسواعد المصريين وحدهم.
المسلة الناقصة، التي تُعتبر أحد الكنوز الأثرية في مصر، تم نحتها من جبل الجرانيت في جنوب أسوان، وهي المنطقة التي اشتهرت عبر العصور بأنها مصدر المسلات العملاقة. ولكن، أثناء عملية النحت، ظهر شرخ في منتصف المسلة، مما حال دون اكتمالها ورفعها. ورغم ذلك، تظل المسلة الناقصة رمزًا لإرادة المصريين القدماء وعزيمتهم في تشييد أضخم وأدق الأعمال الهندسية والمعمارية.
ترجع هذه المسلة إلى عصر الملكة حتشبسوت، وتزن حوالي 1168 طنًا، بينما يصل طولها إلى 41.75 متر. هذه الأبعاد الهائلة تجعل من المسلة الناقصة أحد أكبر القطع الأثرية التي تم نحتها في التاريخ القديم. كان من المقرر أن تكون هذه المسلة جزءًا من مجموعة المسلات التي زينت معابد مصر القديمة، ولكن القدر شاء أن تظل هذه المسلة في مكانها، شاهدة على قدرة المصريين في التعامل مع أصعب المواد وأكثرها تحديًا.
إن المسلة الناقصة ليست مجرد قطعة أثرية، بل هي رسالة أرسلها أجدادنا إلى كل من جاء بعدهم. إنها تروي قصة العظمة التي تميز بها المصريون القدماء، وتشير بوضوح إلى أن هذه الحضارة لم تكن وليدة الصدفة أو نتاج قوى خارقة، بل هي ثمرة جهد وعلم وإبداع مصري خالص.
لذلك، عندما نلقي نظرة على المسلة الناقصة، لا نرى فقط قطعة من الحجر غير المكتملة، بل نرى رمزًا للفخر والإنجاز، ودليلًا على أن المصريين كانوا ولا يزالون قادرين على تحقيق المعجزات، بفضل تفانيهم وعلمهم. إنها حضارتنا، ونحن الورثة الشرعيون لهذا المجد، وعلينا أن نفخر بها ونحافظ على هذا الإرث العظيم.
التعليقات الأخيرة