بقلم د/سماح عزازي
في زمن تكسّرت فيه المعايير، وتماهت فيه الألوان حتى صار الأبيض رمادًا والأسود يُباع في أسواق التبرير، يطل علينا مشهد عبثي، يكاد يختصر ملامح الانهيار الأخلاقي الذي يزحف كالأفعى بين أروقة المجتمع، يختبئ في جيوب الهواتف المحمولة، ويتسلل عبر شاشات صغيرة لكنها تفتح أبوابًا جهنمية.
شاب في مقتبل العمر، يُدعى ياسر محمود، قرر أن يخلع ملامحه الرجولية ويرتدي قناعًا نسويًا باسم مستعار: "ياسمين"، ليخوض رحلة انحراف على منصة "تيك توك" تحت لافتة الإغراء الرخيص وأعمال تخدش الحياء العام.
لكن الحكاية لم تتوقف عند حدود العبث، بل تحوّلت إلى فضيحة مكتملة الأركان، حين سقط القناع، وسقطت معه أوهام وأقنعة أخرى كان المجتمع يظنها صلبة، فإذا بها أوهى من بيت العنكبوت.
تيك توك… منصة الترفيه أم جسر إلى الهاوية؟
لم تعد المشكلة في شاب متهوّر يتقمص شخصية فتاة، بل في المناخ الذي سمح لهذا العبث أن يزدهر، والمناخ الإلكتروني الذي صار مرتعًا لمقاطع تافهة، وإيماءات ساقطة، تتوارى خلف كلمة "ترند" لتسلب عقول المراهقين وتغويهم بريق الشهرة اللحظية.
"تيك توك" ليس إلا ساحة مفتوحة بلا حارس، حيث تتحول الغرائز إلى سلعة، والحياء إلى موضة قديمة، ومن لا يشارك في هذا المستنقع يُتهم بأنه "معقّد" أو "متأخر عن الركب".
المشهد الأخطر… حين يصبح التقليد سلاحًا فتاكًا ضد أطفالنا
إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس القبض على ياسر، بل أن عشرات مثله ربما يتحركون الآن في الظل، يتقمصون شخصيات وهمية، يخدعون الفتيات، يستدرجون الصغار، ويصنعون محتوى يسحبهم إلى الانحدار بلا عودة.
والمصيبة أن بعض الآباء والأمهات تركوا أولادهم للهواتف بلا رقابة، كمن يلقي بطفله في شارع مكتظ بالذئاب ثم يتساءل: لماذا عاد ممزق القلب والثياب؟
الأسرة… خط الدفاع الأول
البيوت التي كانت في الماضي حصونًا منيعة، صارت اليوم أبوابها مشرعة لشياطين التكنولوجيا، يدخلونها في هيئة مقاطع مضحكة أو تحديات عابرة، ثم يزرعون السمّ في العسل.
هنا، تقع المسؤولية على عاتق الأسرة أولًا: متابعة، توجيه، غرس القيم، ومراقبة دقيقة دون خنق، وتربية على وعي يميز بين ما يلمع وما ينفع.
القانون… لا بد أن ينهض بسيف الردع
هذه الجريمة ليست "موقفًا فرديًا" أو "حالة شاذة"، بل جرس إنذار مدوٍ. لا بد من تشديد العقوبات على كل من يستخدم المنصات الرقمية للتحريض على الفجور أو خداع الجمهور بهويات مزيفة. فالقانون يجب أن يسبق الجريمة لا أن يلهث خلفها.
حين يصبح المجتمع كله ضحية
لسنا أمام قصة "ياسر/ياسمين" وحده، بل أمام مرض اجتماعي خطير اسمه "غياب الوعي الرقمي"، وتفكك الضوابط الأخلاقية، وبيع الفضيلة في أسواق "المشاهدة" و"الإعجابات".
إن المجتمع الذي يستهين بمثل هذه الظواهر، يزرع في صمت بذور الانهيار القادم، وحين ينفجر الوضع، لن ينفع الندم، ولن يكفي البكاء على أطلال القيم.
صرخة قبل فوات الأوان
يا آباء وأمهات هذا الجيل، إن الهواتف في أيدي أبنائكم ليست مجرد أدوات تواصل، بل مفاتيح لعوالم مجهولة، فيها الخير وفيها الشر، فيها النور وفيها العتمة، وفيها أفاعٍ تتزين بثياب الفراشات.
إن قصة "ياسر" ليست نهاية المطاف، بل قد تكون أول الحكاية إذا لم نتحرك اليوم… لا غدًا.
راقبوا أبناءكم، علّموهم، حصنوهم، وكونوا لهم درعًا قبل أن تبتلعهم التيارات المسمومة التي تسرق أرواحهم قبل أعمارهم.
فالفتنة إذا اشتعلت، لن تترك في طريقها سوى رماد أمة كانت تملك كل أسباب النجاة… ثم فرّطت فيها بيدها.
التعليقات الأخيرة