بقلم د /سماح عزازي
في كل زمن، ثمة كلمات تولد كشرارة، تلمع في العتمة، وتظل قادرة على إشعال القلوب مهما طال الليل. تأتي قصيدة «ماريونِت» للشاعرة لمياء حلمي كأنها تلك الشرارة التي تنسلّ إلى وجدانك دون استئذان، وتضع يدها على كتفك هامسة: “هل تعلم أن هناك خيوطًا خفية تحرك خطواتك؟ هل تدرك أن أدوارك على مسرح الحياة ربما لم تخترها يومًا؟”
إنها ليست مجرد نص شعري… بل طقس كشف، وجرس إنذار، وصوت داخلي طويل المدى. من الصفحة الأولى، يأخذك النص إلى مسرح رمزي تتدلى فيه الدمى بخيوط مشدودة، تتحرك بلا إرادة، وتبتسم بلا رغبة، وتتحدث بأصوات ليست أصواتها. وبين سطور القصيدة، ستشعر أنك أنت – نعم أنت – تلك الدمية التي طالما ظنّت أنها حرة، بينما كانت تتحرك وفق إيقاع شخص آخر.
لكن «ماريونِت» لا تتركك في قفص هذا الإدراك المرير؛ إنها تمنحك أيضًا مفاتيح التحرر. تنقلك من ظلام الخيوط إلى ضوء الوعي، ومن الصمت إلى صرخة الانعتاق، حتى تدرك أن الحرية لا تبدأ حين يترك الآخرون خيوطهم… بل حين تقطعها أنت بيديك.
هناك نصوص تدخل القلب كنسمة لطيفة، وأخرى تقتحمه كالعاصفة. أما قصيدة «ماريونِت» للشاعرة لمياء حلمي فهي مزيج من الاثنين؛ نسمة توقظ الروح، وعاصفة تهزّ الأسئلة الراقدة في العمق. ليست مجرد أبيات تُقرأ ثم تُنسى، بل نصّ يضعك أمام مرآة ذاتك، ويهمس لك: “كم خيطًا يحركك… وكم قرارًا في حياتك كان قرارك حقًا؟”
عنوان الكتاب : ماريونت
المؤلف: د/لمياء حلمي
دار النشر : دار الرونق لنشر والتوزيع
عدد الصفحات: 80 صفحة
هذا العمل هو أول إصدار شعري كامل للشاعرة، اصدر في يوليو 2025، يضم القصيدة الشهيرة «ماريونِت» إلى جانب نصوص أخرى قصيرة، لكن «ماريونِت» تبقى قلب الكتاب وروحه.
نبذة عن المؤلف
لمياء حلمي، شاعرة مصرية معاصرة، تكتب الشعر الحر والنثر الشعري بلمسة فلسفية ورمزية واضحة. منذ بداياتها، اهتمت بقضايا الحرية الداخلية والوعي الإنساني، وتوظف في نصوصها صورًا مبتكرة تمزج بين البساطة والعمق. «ماريونِت» هي عملها الأبرز حتى الآن، وقد لفت أنظار القراء والنقاد نظرًا لقدرته على طرح أسئلة كبرى عن معنى الحرية والتحكم في المصير.
ملخص الكتاب
في عالم يمشي فيه الكثيرون بخطوات ليست لهم، وأحلام ليست أحلامهم، وأصوات تتحدث بألسنتهم لكنها لا تخرج من قلوبهم، تأتي قصيدة «ماريونِت» للشاعرة لمياء حلمي كصفعة توقظ الروح من سباتها، وتضع القارئ أمام مرآة صافية يرى فيها خيوطًا خفية تُحركه… وربما تُقيده.
منذ المطلع، تفاجئنا الشاعرة بجملة صادمة:
«أنا مت… غمضت… وشوفت… وعرفت»
كلمات تبدو كأنها تأتي من وراء الحياة، من أرض الوعي التي لا يصلها إلا من مات رمزيًا ثم وُلد من جديد. هذه البداية ليست مجرد اعتراف شعري، بل هي إعلان تحرر أول، لحظة استيقاظ من غفلة طويلة، وكأن الشاعرة تقول لنا: «لكي ترى، لا بد أن تغلق عينيك على العالم المألوف، وتفتح قلبك على حقيقة أبعد».
قصيدة «ماريونِت» ليست مجرد أبيات تُقرأ على عجل، إنها نصّ يشبه رحلة أسطورية، تبدأ في العتمة وتنتهي في الضوء، تمرّ بمحطات الانكسار والخذلان، ثم ترتقي إلى الذروة حيث تولد الذات من جديد، حرة، صافية، وعارية من كل خيط يقيّدها.
هذا العمل الشعري صدر في كتاب أنيق عن دار الرونق للنشر والتوزيع – يوليو 2025 – في 62 صفحة، لا يضم «ماريونِت» وحدها، بل يحتوي على مجموعة من القصائد التي تشبه ألوانًا متعددة على لوحة واحدة؛ منها قصيدة «متشكرين» التي تفيض بالعرفان والودّ، و**«إنتِ طالق»** التي تواجه قضايا الانفصال والخذلان بجرأة نادرة، و**«حاجة تفرّح»** التي تنثر ضوء الأمل، و**«ماعرفتنيش»** التي تسائل الذاكرة والهوية، و**«أخ وأخت»** التي تحتفي بروابط الدم، وأخيرًا «نسيت تدعيلي» التي تمسّ أوتار القلب في حنينها البسيط الصادق.
لكن، رغم جمال هذا التنوع، ظلت «ماريونِت» القصيدة الأكثر حضورًا وسط الصفحات، والأشد وقعًا على القلب؛ نصّ يأخذك من أول كلمة إلى عمق السؤال الكبير عن معنى الحرية، حتى تكاد تشعر أن بقية القصائد كلها كانت تمهيدًا لصوت هذه القصيدة أن يعلو.
منذ السطر الأول، تضعك «ماريونِت» أمام مشهد صادم:
«أنا مت… غمّضت… وشوفت… وعرفت»
أربع كلمات، لكنها تحمل ثقل عمر كامل. هذا الموت ليس موت الجسد، بل موت الوهم، سقوط كل الأقنعة التي كبلت العين عن رؤية حقيقتها. غمّضت لتفتح، شافت لتعرف. في لحظة واحدة، ننتقل من السكون إلى يقظة باهرة؛ يقظة تُخبرنا أن أول خطوة نحو الحرية تبدأ باعتراف قاسٍ: أننا كنا أمواتًا ونحن نحيا.
بعد هذا الانبعاث الأول، تنقلنا الشاعرة إلى لوحة أخرى؛ لوحة مسرح الحياة. ترى العالم خشبة هائلة، والإنسان مجرد دمية ماريونِت تتحرك بخيوط غيرها. تقول:
«نمثل… دور… إننا عايشين»
إنها جملة تكشف بمهارة مأساة الحياة اليومية؛ نضحك حين يُطلب منا أن نضحك، نبكي في الأوقات المرسومة للبكاء، نؤدي أدوارًا لم نكتبها بأيدينا. نحن نؤدي “الحياة” دون أن نعيشها.
ثم، تأتي اللحظة الفاصلة، ومضة الوعي التي تغيّر كل شيء:
«سمعت… فهمت حقيقتي»
إنها لحظة تمرد صامتة في البداية، لكنها تحمل بذرة الانفجار. هنا تدرك الذات أنها كانت محكومة بخيوط رفيعة لكنها قوية. تدرك أن الخلاص ممكن، وأن الحرية ليست حلمًا بعيدًا، بل قرارًا ينتظر أن يُتخذ.
وأخيرًا، تُتوَّج الرحلة بالنهاية التي تُشبه النهوض من تحت الركام؛ صرخة التحرر:
«مش هاحس بالخوف… هشوف الكون أجمل… ما فيهوش عرايس ماريونِت»
هذه الكلمات لا تنهي القصيدة فحسب، بل تفتح بابًا لعالم جديد؛ عالم بلا خوف، بلا أقنعة، بلا خيوط تشدّ الروح إلى أسفل.
إن «ماريونِت» ليست نصًا يُقرأ ثم يُطوى، إنها بيان شعري للتحرر، مانيفستو إنساني موجز لكنه عميق. تقول لنا الشاعرة، من بين سطورها:
“الحرية لا يمنحها أحد… الحرية تُنتزع حين تجرؤ على قطع الخيوط بيديك.”
هي قصيدة تنفض الغبار عن أرواحنا، وتجعلنا نتساءل: كم خيطًا ما زال يحرّكنا؟ وكم نحتاج من شجاعة لنمزّقها جميعًا؟
إنها أكثر من شعر… إنها صرخة حياة.
أبرز الاقتباسات
«أنا مت… غمّضت… وشوفت… وعرفت» – إعلان موت قديم وبداية يقظة.
«نمثل… دور… إننا عايشين» – نقد لتمثيلية الحياة اليومية الزائفة.
«سمعت… فهمت حقيقتي» – لحظة الوعي التي تغيّر كل شيء.
«مش هاحس بالخوف… هشوف الكون أجمل… ما فيهوش عرايس ماريونِت» – خاتمة الانعتاق والحرية.
أفكار لفتتني ولماذا
رمزية “الماريونِت”: اختيار الدمية التي تتحرك بالخيوط كرمز للإنسان المقيّد يُحاكي وعينا الجمعي. في لحظة ما، نشعر جميعًا أن قراراتنا ليست ملكًا لنا بالكامل، وأننا نعيش وفق “خيوط غير مرئية” تشدّنا حيث يريد الآخرون.
التحرر الداخلي قبل الخارجي: القصيدة تذكّرنا أن الحرية تبدأ من الداخل؛ لا يمكن أن نكسر قيود العالم ونحن نحمل قيودًا في وعينا.
تقييمي الشخصي ولماذا
أمنح الكتاب 9.5/10. لأنه نجح – في نص شعري قصير – أن يعيد صياغة سؤال قديم: “هل نعيش فعلًا كما نريد؟” القوة في الرمزية والبساطة التي لا تسقط في الغموض،
قوتها في بساطتها، وإيصالها رسالة كبيرة بأقل الكلمات. ما ينقصها فقط هو مساحة أوسع تمنيت لو أضافت الشاعرة نصوصًا مكمِّلة توسّع فكرة “الماريونِت” – ربما ديوان كامل – كي تتنفس فكرتها أكثر
الفئة التي تناسبها القراءة
القصيدة مثالية للباحثين عن الإلهام، وللأشخاص الذين يشعرون بالقيود – سواء كانت اجتماعية، فكرية، أو حتى نفسية. القصيدة إلهام فكري وروحي، ولكل قارئ يشعر بأنه مقيّد اجتماعيًا أو نفسيًا ويريد نصًا يوقظ داخله فكرة التحرر.
سؤال لنقاش
هل نحن فعلًا نعيش بحرية… أم أننا مجرد «ماريونِت» تحرّكنا خيوط خفية لا نراها؟
ربط الكتاب بواقعنا الثقافي أو المجتمعي
في زمن امتلأ بـ «الخيوط الخفية» – من إعلام موجه، وضغوط اجتماعية، ومقاييس نجاح مفروضة وأنماط جاهزة للعيش – تأتي «ماريونِت» لتصرخ في وجه هذا الواقع: اقطعوا الخيوط… جرّبوا أن تتحركوا بأنفسكم. تأتي «ماريونِت» لتذكّرنا أن أخطر الخيوط ليست تلك التي يمسك بها الآخرون… بل تلك التي سمحنا لهم أن يعقدوها في داخلنا.
قصيدة «ماريونِت» ليست مجرد كلمات شعرية، بل جرس إنذار؛ تدعونا أن ننظر إلى أيدينا وأرواحنا لنتأكد… هل نحرّك نحن خطواتنا، أم أننا مجرد دمى على مسرح الآخرين؟
ربما آن الأوان أن نقطع خيوطنا، لنعيش – لأول مرة – كأننا نحن، لا كما يريدنا أحد أن نكون.
«ماريونِت» ليست قصيدة عابرة؛ إنها صرخة صغيرة لكنها عميقة تقول لكل قارئ: “توقف لحظة… هل تحرّكك قدماك حقًا، أم أن هناك خيطًا يشدك من فوق؟”
هذا النص ليس مجرد شعر، بل دعوة للتحرر… وربما، بداية لرحلة جديدة نحو أن نعيش كما نريد نحن، لا كما يُريد غيرنا.
حين تُغلق آخر صفحة من «ماريونِت»، لن تغلقها كما بدأت. ستنظر إلى أصابعك، إلى خطاك، إلى قراراتك، وربما ستتساءل: “كم خيطًا يحركني؟ ومن أين جاء؟”
هذا النص ليس مجرد قصيدة تتلى ثم تُنسى؛ إنه مرآة صافية تعكس ظلالنا وخيوطنا، وربما أجنحتنا التي لم نختبرها بعد. «ماريونِت» تقول لنا إن أصعب السجون ليست تلك المبنية بالحجارة، بل تلك التي تُحاك بخيوط رفيعة لا نراها، لكنها تتحكم فينا.
في زمن امتلأ بالخيوط – إعلام يوجّه، مجتمع يفرض، خوف يربطنا – تأتي كلمات لمياء حلمي كيد تمتد من بين الصفحات لتقطع خيطًا تلو خيط، حتى نقف في النهاية، أحرارًا للمرة الأولى.
إنها ليست قصيدة عادية… إنها دعوة لأن نجرّب لأول مرة طعم أن نحيا لأنفسنا. فهل نجرؤ أن نرفع رؤوسنا ونصرخ مع الشاعرة:
«مش هاحس بالخوف… هشوف الكون أجمل… ما فيهوش عرايس ماريونِت»؟
التعليقات الأخيرة