add image adstop
News photo

سلسلة قرات لك المقال الثاني "مزرعة الحيوان" مرايا الطغيان الناطق

 

بقلم د /سماح عزازي 

 

في عالمٍ تتشابك فيه الخرافات بالحقائق، وتتماهى فيه الشعارات مع الأوهام، تنبثق الرواية التي لا تُقرأ بعيون التسلية، بل تُفكّ شِفراتها بعين البصيرة... إنها "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل، العمل الأدبي الذي تخطّى كونه حكاية عن حيوانات ثائرة، ليُصبح مرآة لواقع الإنسان حين تغرّر به السلطة ويُخدَع باسم الحرية.

 

في هذه الرواية القصيرة، الثقيلة برمزيتها، ينسج أورويل أسطورته الحديثة على لسان الدواب، ويُعلن عن حقائق الأنظمة القمعية من خلف أقنعة الرفاق والثوار. هنا لا وجود للبراءة، ولا قداسة للشعارات، فالخيانة تسكن الحظيرة، والذئب يتخفّى في جلد خنزير ناطق.

 

"مزرعة الحيوان" ليست رواية فقط، بل تحذير أبدي من دوران التاريخ على عجلته المتكررة، ومن القابلية البشرية لتصديق الأكاذيب إذا قيلت بلهجة واثقة. إنها صرخة نبوءة خرجت من قلب القرن العشرين، لتستمر حتى اللحظة، وتصف مشاهد نعايشها كل يوم، وإن تغيرت الأسماء والرايات.

 

من بين سطورها، ستكتشف أن الثورة لا تُقاس بشدّة العاصفة، بل بصدق الغايات، وأن السلطة إذا لم تُلجم، تتحوّل إلى وحش ينهش حتى صانعيه. فهل نحن – حقًا – بعيدون عن "مزرعة الحيوان"؟ أم أن كل مجتمعٍ يسير على أربع، أو على قدمين، يحمل في داخله نسخة صامتة من هذه الرواية؟

 

 "في مزرعة الحيوان، لم تنبح الكلاب فرحًا، بل عضّت الحقيقة... وحين بدأت الخنازير تُلقي الخُطب، صمتت العدالة، وانهارت أحلام المساواة تحت حوافر الطمع."

 

مزرعة الحيوان" – كيف تتحول الثورة إلى سُلالة من الطغاة؟

 

المؤلف: جورج أورويل

دار النشر: تصدر عن عدة دور نشر؛

 من أبرزها: دار التنوير، دار كلمات

عدد الصفحات: 144 صفحة تقريبًا

 

 نبذة عن المؤلف

جورج أورويل (1903 – 1950) هو الاسم الأدبي لـ"إريك آرثر بلير"، كاتب ومفكر إنجليزي، يُعدّ من أبرز أدباء القرن العشرين. عرف بمواقفه السياسية الجريئة وانتقاده الحاد للأنظمة الشمولية، وقد جمع في أدبه بين البساطة الأسلوبية والعمق الفلسفي، عُرف برواياته السياسية والديستوبية التي تفضح أنظمة القمع والاستبداد. أشهر أعماله رواية 1984 ومزرعة الحيوان، وتتميز كتاباته بالوضوح والصدق الأخلاقي، وموقفه الحاد ضد الديكتاتورية سواء أكانت يمينية أو يسارية. عاش أورويل حياة صعبة، قاتل في الحرب الأهلية الإسبانية، وتعرّض للاضطهاد السياسي، لكنه ظلّ مخلصًا لفكره حتى وفاته المبكرة بمرض السل.

 

ملخص مركز للرواية

"مزرعة الحيوان" رواية رمزية ساخرة، تدور أحداثها في مزرعة إنجليزية تقودها مجموعة من الحيوانات الثائرة على ظلم البشر واستغلالهم. تبدأ القصة حين يحرّض الخنزير العجوز "ميجور" الحيوانات على الثورة، فيحلمون بمجتمع عادل تكون فيه جميع الكائنات متساوية.

 

رواية مزرعة الحيوان هي حكاية رمزية ساخرة تتناول الثورة الروسية وما تلاها من استبداد ستاليني. تدور أحداث الرواية في مزرعة "مانور" التي يملكها السيد "جونز"، رجل مستبد يهمل حيواناته ويستغلها. تقرر الحيوانات بقيادة الخنزيرين "سنوبول" و"نابليون" الثورة عليه، فتنقلب على البشر وتُعلن قيام "مزرعة الحيوان" المبنية على مبادئ المساواة والعدالة.

 

وبعد نجاح الثورة، يتولى الخنزيران "سنوبول" و"نابليون" قيادة المزرعة، لكن سرعان ما يتحوّل نابليون إلى طاغية جديد لا يختلف عن الإنسان الذي ثاروا عليه. ومع مرور الوقت، تتحوّل شعارات الثورة النبيلة إلى أدوات قمع واستعباد، وتُغيّر القواعد المكتوبة على الجدار، حتى

 تصل إلى العبارة الشهيرة:

"جميع الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها."

 

في البداية، تُرسم أحلام وردية لعالم مثالي بلا ظلم أو جوع، ويتم وضع "وصايا الحيوان السبعة" التي تُحرّم كل ما له علاقة بالبشر. لكن سرعان ما تنقلب الثورة على نفسها، حيث يزيح "نابليون" شريكه "سنوبول"، وينفرد بالحكم، ويبدأ بتحريف الوصايا لصالحه، مستخدمًا الدعاية والتخويف عبر كلبه "سكويلر".

 

مع مرور الوقت، تتحول المزرعة إلى نسخة أكثر قمعًا من عهد السيد جونز، وتجد الحيوانات نفسها وقد خُدعت باسم الثورة، بينما الخنازير – بقيادة نابليون – تعيش في رفاهية، وتتحالف مجددًا مع البشر. تنتهي الرواية بجملة شهيرة تصف عبثية الثورة:

"كان من المستحيل التمييز بين وجوه الخنازير ووجوه البشر."

 

الرواية ليست فقط إسقاطًا على الحقبة الستالينية، بل تُعالج فكرة فساد السلطة، وانهيار المبادئ حين يغيب الوعي الجمعي، ويُستخدم الدين أو الأخلاق كغطاء للهيمنة.

 

أورويل لا يسرد حكاية بسيطة عن الحيوانات، بل يرسم خريطة سياسية لأنظمة الحكم القمعية، خصوصًا النظام الستاليني في الاتحاد السوفييتي، ويقدّم تحذيرًا صارخًا من فساد السلطة والانحراف الأيديولوجي.

 

 "لم تكن مزرعة الحيوان مجرد حكاية خرافية، بل كانت خريطة سياسية مشحونة بالدلالات، عرّى من خلالها أورويل أنظمة الحكم القمعية بطريقة رمزية ساحرة."

 

 أبرز الاقتباسات

- "جميع الحيوانات متساوية، لكن بعض الحيوانات

 أكثر مساواة من غيرها."

 

- "الجهل قوة."

 

- "لو أردت أن تحافظ على سلطتك، فعليك بإعادة كتابة التاريخ."

 

- "العمل الجاد وعدم السؤال هو طريق الخلاص."

 

- "السلطة تفسد، والسلطة المطلقة تفسد فسادًا مطلقًا."

 

- "الثورات لا تغيّر شيئًا إذا احتكرها الطغاة."

 

 أفكار لفتتني ولماذا

1. الثورات التي تأكل أبناءها: ما لفتني هو كيف تبدأ الثورات بأحلام طوباوية ثم تتحول إلى كوابيس سلطوية. تعكس الرواية الواقع المرير الذي يتكرر تاريخيًا، حيث تتحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها.

 

2. قوة الإعلام والدعاية: شخصية سكويلر تمثل الإعلام الخاضع للسلطة، الذي يزيف الحقائق ويقنع العامة بقبول الظلم على أنه مصلحة.

 

3. خطر الجهل: الحيوانات العادية كانت مخلصة ومطيعة لكنها جاهلة، مما جعلها لقمة سائغة في يد الحاكم. هذه إشارة إلى أن الجهل لا يعفي من المسؤولية، بل يجعلك شريكًا في صناعة الاستبداد.

 

4. تحوّل الثوار إلى طغاة: الفكرة الجوهرية في الرواية أن الثورة ليست ضمانًا للحرية، بل قد تنتهي بصناعة طغاة جدد. لفتتني هذه المفارقة لأن التاريخ مليء بأمثلتها، من الثورة الفرنسية إلى ربيع العرب.

 

5. التلاعب باللغة: أورويل يبرز كيف يمكن للكلمات أن تُفرّغ من معناها لخدمة السلطة. هذه الفكرة تتكرر في عالمنا العربي، حين تُستخدم مفاهيم مثل "الإصلاح" و"الأمن" كستار للقمع.

 

6. صناعة العدو: اختلاق عدو خارجي (مثل "سنوبول" المطرود) كوسيلة لتبرير الفشل الداخلي والتشدد. فكرة عبقرية تكشف وسائل التضليل الإعلامي والاستقطاب الجماهيري

 

تقييمي الشخصي

أعطي الرواية تقييم 9/10.

هي رواية قصيرة لكن عميقة، بسخريتها اللاذعة، ورمزيتها الذكية، وبنيتها السردية المحكمة. نجح أورويل في تحويل أحداث بسيطة إلى مرآة سياسية مخيفة، دون أن يفقد

عنصر التشويق أو وضوح الرسالة

 

هي عمل عبقري في بساطته، عميق في رمزيته، يصلح للقراءة السياسية كما يصلح للناشئة لتوعيتهم بمآلات الغفلة عن حقوقهم. أسلوب أورويل الساخر جعل من القصة حكاية خرافية ممتعة وموجعة في الوقت ذاته. ما ينقصها فقط هو التنوع في وجهات النظر، حيث تبدو القصة مسطّحة من حيث الشخصيات الثانوية.

 

لماذا تستحق الرواية تقرأ اليوم تحديدا؟ 

"مزرعة الحيوان" ليست مجرد رواية قصيرة ذات رموز سياسية، بل هي عمل أدبي عابر للزمن، يتسلل إلى وعي القارئ ليوقظه من سباته. أرى أنها واحدة من أكثر الروايات تأثيرًا وصدقًا في تجسيد فكرة الطغيان المتحوّل، حيث تتحول الثورة من وسيلة للتحرر إلى أداة جديدة للاستبداد.

 

ما يجعلها جديرة بالقراءة اليوم تحديدًا هو أننا نعيش في عالم تُعاد فيه كتابة التاريخ، وتُزيف فيه الشعارات، ويُستبدل الظلم بشعارات الحرية الكاذبة؛ تمامًا كما فعل "نابليون" في المزرعة. الرواية تُعرّي هذا الواقع دون شعارات، وتجعلك ترى كيف يمكن أن تتحول أحلام البسطاء إلى كوابيس بصمتهم وخضوعهم.

 

على المستوى الشخصي، شعرتُ وأنا أعيد قراءتها كما لو أنني أقرأ عن أوطانٍ أعرفها، وعن وجوهٍ مرّت بي، وعن خيباتٍ ظننتها خاصة، فإذا بها عامة. الرواية تؤلمك، تهزك، لكنها تفتح عينيك، وهذا وحده كافٍ لأن تقرأها أكثر من مرة.

 

 الفئة التي تناسبها القراءة

- كل من يهتم بالسياسة وتاريخ الثورات.

 

- المعلمون لتقديم نماذج توعوية لطلابهم.

 

- المراهقون، لفهم ما يحدث حولهم من تغييرات اجتماعية وسياسية.

 

- المهتمون بالأدب الرمزي أو الروايات القصيرة ذات البعد الفلسفي.

 

- المهتمون بالفكر السياسي وفهم آليات الحكم.

 

- طلاب الأدب والفلسفة.

 

- أي قارئ يطمح لفهم كيف تُختطف الثورات وتُغتال القيم.

 

 ربط الرواية بواقعنا

حين نقرأ مزرعة الحيوان اليوم، نشعر وكأن أورويل استشرف عالمًا لا يزال يتكرر في دولنا. شعارات العدالة تتحول إلى أدوات قمع، والثوار يصبحون جلادين، والجهل يُعبّد الطريق للطغيان. ما يحدث من تكرار "المشهد الأورويلي" في الإعلام العربي، والتعليم، وحتى في بعض الحركات التي تدّعي التغيير، يؤكد أن الخطر الحقيقي ليس في وجود الديكتاتور، بل في تهيئة العقول لقبوله.

 

تشبه "مزرعة الحيوان" ما نعيشه في عالمنا العربي، حيث شهدنا ثورات نادت بالحرية والعدالة، ثم اختطفتها أنظمة قمعية جديدة. الرواية تُحاكي واقعًا تتكرر فيه الوجوه، وتتبدّل الشعارات، ويبقى الظلم قائمًا.

 

لماذا أعود لقراءة الروايه مرة اخري؟ 

العودة لقراءة رواية "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل ليست تكرارًا عبثيًا، بل هي رحلة متجددة إلى عمق النفس البشرية وتعرية للمجتمعات التي تستبدل الطغيان القديم بطغيان جديد، دون أن تحرر الإنسان حقًّا.

 

كلما قرأتها مجددًا، تكتشف أن الرواية ليست عن "الحيوانات"، بل عنك، وعنّي، وعن كل من حلم بيوم جديد واستيقظ على خيبة مألوفة. تقرأها أول مرة فتتعاطف، وثانية فتغضب، وثالثة فتخجل من صمتك، ورابعة لتسأل نفسك: كم "نابليون" نعرف؟ وكم من "بوكسر" ضحّينا به؟!

 

تعود إليها لأن أنظمة القمع تتجدد، لكن الرواية تبقى كما هي، صارخة بالحقيقة في وجه الزيف.

تعود إليها لأنها تحاكي الواقع رغم أنها كُتبت في منتصف القرن العشرين.

تعود إليها لأنك كلما ظننت أن "الدرس قد فُهم"، ترى الخراف تردد مجددًا:

"أربعة أرجل حسن، اثنان سيئ"... ثم لاحقًا: "كل الحيوانات سواسية، لكن بعضها أكثر سواسية من غيرها".

 

باختصار، تعود لأن "مزرعة الحيوان" ليست رواية تُقرأ، بل مرآة تُواجه.

 

ما بين أول صرخة تمرد في "مزرعة الحيوان"، وآخر لوحة سوداء تُكتب عليها الأكاذيب بحبر الطغيان، تتبدى الحقيقة الجارحة التي أراد جورج أورويل أن يضعها في يد كل قارئ: أن السلطة دون وعيٍ جماهيري ومحاسبة دائمة، تتحول إلى كابوس متكرر مهما كان لونه أو شعاره.

 

لقد حاكت الرواية مأساة الثورات التي أكلت أبناءها، والأنظمة التي ادّعت خلاص الإنسان ثم سجنته داخل جدران جديدة من القهر. لكنها أيضًا لا تُطفئ الأمل، بل توقده في صدور من يقرؤونها بعيون ناقدة، فيدركون أن فهم اللعبة أول خطوة للخروج من المزرعة.

 

"مزرعة الحيوان" رواية كتبت نفسها في كل أرضٍ ظنّت أن الحاكم نبيٌّ، وأن السلطة منحة أبدية، وأن التغيير مجرد تبديل أسماء. ولأنها ليست قصةً عن الماضي فحسب، بل خارطة لفهم الحاضر، فإن قراءتها ليست ترفًا، بل واجب ثقافي ومعرفي وأخلاقي لكل من لا يزال يبحث عن ضوء الحقيقة وسط ظلام الشعارات.

 

فهل نحن اليوم نعيش في مزرعة أخرى؟

 وهل اكتشفنا جميعًا أن بعض الحيوانات

 "أكثر مساواة" من غيرها؟

 

"فلعلّنا حين نجرؤ على النظر إلى أنفسنا في مرآة هذه الرواية، نستطيع أن نكسر الدائرة... ونكتب فصلًا جديدًا لا تُعاد فيه الحكاية ذاتها."

 

 سؤال للنقاش

هل ترى أننا – كأفراد أو مجتمعات – نعيش في "مزرعة حيوان" حديثة؟ ومن هو "سكويلر" في واقعنا؟

 

هل تعتقد أن فشل الثورات سببه الشعب، أم القادة الذين يعتلون الموجة؟ وكيف يمكن بناء نظام لا يُفرز طغاة جدد باسم "التحرير"؟

 

شاركنا وجهة نظرك... فلعلها توقظ وعياً غافياً في عقول 

كثيرة.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى