add image adstop
News photo

"رسائل لم تصل… وقلوب لم تنسَ" مجموعة قصصية إنسانية من زمن لا يُكتب فيه الحب، بل يُشعر القصة الحادية والعشرون الرف الثالث من اليسار

 

 

بقلم د/ سماح عزازي

 

ليست كل الأماكن في الذاكرة تُضاء بالنور… بعضها لا يُفتح إلا حين نغلق أعيننا ونمضي داخلنا، حيث الكلمات التي لم تُقل، والحبّ الذي لم يُعترف به، والأوراق التي تنام على رفٍّ لا يزوره أحد.

 

في حياة كل إنسان، هناك رفٌّ خفيّ… ليس في غرفةٍ بعينها، بل في قلبه.

رفّ يحتفظ بأشياء لا تُستخدم، لكنها لا تُنسى.

أشياء تُشبه الرسائل التي لم تصل، والمواعيد التي لم تُكتب، والضحكات التي انتهت قبل أن تكتمل.

 

هذه الحكاية لا تبدأ من سطرٍ أول…

بل تبدأ من طيّة ورقة، في دفترٍ قديم، كان يئنّ بالحبّ دون أن يُسمع صوته.

لم تكن بطلتها كاتبة… بل ناجية.

كتبت لتتنفس، لا لتُقرأ.

وحين رحلت، لم تأخذ شيئًا معها… إلا كلماتها.

 

بعض الرسائل لا تُرسل، ليس لأننا لا نريد، بل لأن الكلمات تسقط منا في الطريق، وتضيع حين نخجل من البوح.

في الرف الثالث من اليسار، لم تكن الأوراق فقط هي التي تنتظر، بل كانت القلوب المعلقة بين الرجاء والخوف، تكتب كل ما لم تُجْرِؤ على قوله… وتطويه مع كل يومٍ يمر دون أن يطرق أحد باب الحنين.

 

في كل بيت، هناك مكان لا يُفتح كثيرًا… لا لأنه مهجور، بل لأنه يوجع.

وهذه القصة ليست عن رسائل، بل عن امرأة اختبأت خلف دفتر قديم، وكتبت فيه عمرًا كاملاً لم يُقرأ إلا بعد رحيلها.

 

كان في غرفة نومها رفٌ صغير، ليس عاليًا، ولا قريبًا من الأرض… الرف الثالث من اليسار.

دائمًا ما تحفظ فيه دفترًا غامق الغلاف، مهترئ الزوايا، لم يجرؤ أحد على لمسه.

 

كانت تعود إليه في المساء، تفتحه كما يُفتح قلبٌ تعِب من الصمت.

لم يكن دفتر مذكرات، ولا خواطر… بل رسائل.

رسائل لم تُرسل، ولم تُقرأ، لكنها كُتبت بكل ما في قلبها من حنين.

 

كانت الصفحة السادسة مختلفة.

لم تكن مجرد كلمات، بل كانت نافذة على قلبها وهي في أسوأ حالات الانتظار.

في تلك الصفحة، رُسمت وردة صغيرة في الزاوية، وردة وحيدة… وكأنها رمز لما شعرت به دائمًا: أنها كانت وحدها في الحكاية.

 

كتبت بخط مرتجف:

 

 "لا أريد أن تأتي،

أريد فقط أن تشعر بي حين لا أقول شيئًا،

أن تنتبه لغيابي حين لا أغيب،

أن تفتقدني دون أن أبتعد."

 

ثم توقفت… لا لأنها انتهت، بل لأن الدموع سقطت على الحبر، فمحَت كل شيء إلا الشوق.

 

كل مرة كانت تفتحه، تُعيد الزمن إلى الوراء.

تتلو رسائلها القديمة كما تتلى صلاة حزينة، لا ترجوا بها مغفرة، بل فقط حضنًا يتسع للبوح.

كان في تلك الأوراق صوتها، الذي لم يسمعه أحد، ووجعها، الذي لم يحتضنه أحد.

 

في إحدى الصفحات طوت بين السطور تذكرة قديمة لقطار لم تركبه.

كانت تنوي أن تذهب إليه ذات مساء، أن تفاجئه، وتقول له كل ما حبسته لسنوات…

لكنها تراجعت.

وقتها قالت لنفسها: "ما فائدة أن أصل… إن لم يعد ينتظر؟"

 

فاحتفظت بالتذكرة، وكتبت أسفلها:

 

 "أحيانًا، الرحيل أصعب من البقاء…

لكن الأصعب أن تبقى، وقلبك راحل."

 

لم يكن أحد يعرف لماذا كانت تنظر دائمًا إلى جهة الغرب وقت الغروب…

إلا الورقة التي خُبئت خلف تلك التذكرة، والتي كتبت فيها:

 

 "أنت لم تعد هناك… لكن قلبي لم يتحرك من مكانه."

 

كانت الأم، والزوجة، والجدة لاحقًا،

لكن لم يكن أحد يعرف أن في الرف الثالث من اليسار… كانت تعيش امرأة أخرى،

امرأة لم تتخلّ عن رسائلها، ولم تسمح للزمن أن يغسل ما كتبته من دمع.

 

في آخر سنة من عمرها، بدأت تنسى كثيرًا…

لكنها لم تنسَ الرف الثالث من اليسار.

كل صباح كانت تفتحه، لا لتقرأ، بل لتلمس الورق، وتتحسّس الأحرف، كما لو كانت تتأكد أن قلبها لا يزال هناك.

 

وكانت حين تُسأل: "لماذا لا تكتبين شيئًا جديدًا؟"

تضحك وتقول:

 

"أنا لا أكتب الآن…

أنا أستمع إلى ما كتبتُه قديمًا،

فبعض الرسائل تُقرأ بعد أن يُشفى الجرح،

وبعضها لا يُفهم إلا بعد فوات العمر."

 

وذات مساء، بعد رحيلها بأشهر، دخل حفيدها غرفتها، ليجمع أغراضها.

فتح الرف الثالث، ووجد الدفتر.

 

قرأ أول صفحة، ثم الثانية، ثم العاشرة،

وبكى كما لم يبكِ في حياته.

 

كانت أول مرة يعرف أن جدته… أحبت إلى هذا الحد.

 

في الصفحة الأخيرة، كانت هناك ورقة منفصلة، كتب عليها بخطٍّ ناعمٍ مرتعش:

 

 "إن وجدتَ هذا الدفتر، فلا تحزن…

كنت أكتب لأنني أحب، لا لأنني أشتكي.

ولكل من لم أُرسل إليه رسالة… سامحني.

فبعض الرسائل لا تحتاج طابع بريد،

فقط تحتاج قلبًا لا ينسى."

 

منذ ذلك الحين، لم يعد الرف الثالث من اليسار مجرد رف.

صار مزارًا صغيرًا للبوح المؤجّل، ومكانًا تهمس فيه الذاكرة بكل ما لم يُقل.

 

الدفتر وُضع في إطار زجاجي، وبجانبه كُتب:

 

"هنا كانت تكتب…

لا لتُقرأ، بل لتتخفف من حبٍ لم يفنَ."

 

في بعض الرفوف، لا تُخزَّن الكتب،

بل تُخزَّن الأرواح… والحنين…

وحروفٌ نائمة تنتظر قارئًا لا يأتي إلا حين يغيب كل شيء،

ويُفتح الرف…

فتنفتح معه قلوب،

لم تُغلق أبدًا.

 

هناك رسائل نكتبها للعمر… لا لشخص.

رسائل لا تنتظر ساعي بريد، بل تنتظر أن نعود إليها بعد حين، لنكتشف أننا كتبنا فيها أكثر مما نعرف عن أنفسنا.

 

حين أُغلق الرف الثالث، لم يُغلق معه دفترٌ قديم…

بل أُغلقت حقبة كاملة من الانتظار، والحبّ الصامت، والبوح المؤجل.

 

لكنّ الحفيد، حين لمس الورق بأنامله المرتجفة، لم يرَ الكلمات فقط…

بل رأى قلبها، وهو ينبض في كل سطر،

كأنها تركت له خريطةً سرية… إلى عمقها.

 

وهكذا، بقي الدفتر شاهداً، لا على حبٍ ضائع، بل على امرأة كتبت عمرها على ورق… وعلّقته في ركنٍ صغير،

ليقول لنا جميعًا:

 

"الحب لا يُنسى…

ولا يُدفن في المقابر، بل يُطوى بين السطور…

ويُفتح، كلما احتجنا إلى أن نتذكّر من نحن… حين كنّا نُحب.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى