بقلم د/سماح عزازي
ماتت وحدها... وعاشت وحدها أيضاً
في عالمٍ تعلو فيه الضوضاء وتسقط فيه الأصوات الخافتة، رحلت "جميرا أصغر" بهدوءٍ مريب، كما لو أنها لم تكن يومًا جزءًا من هذه الحياة. موديلٌ باكستانية، ممثلة، مؤثرة على مواقع التواصل، وُجدت جثةً متحللة داخل شقتها المستأجرة بعد غياب امتد لثمانية إلى عشرة شهور، لم يسأل عنها خلالها أحد. لا صديق، ولا قريب، ولا متابع من ملايين الأعين التي اعتادت أن ترى صورتها وتضغط "إعجابًا" على تفاصيل يومها.
إنها ليست مجرد قصة وفاة، بل مشهد فاجع يُسقط أقنعة كثيرة، ويكشف لنا زيف العلاقات وادعاءات القرب، والخذلان الذي قد يتخفّى في شكل متابعين، أو أصدقاء عمل، أو حتى عائلة. فالواقع المرير الذي تفجّر أمام الشرطة حين دخلت الشقة بعد صدور أمر الإخلاء، كشف عن جثة متحللة، كهرباء مفصولة، أطعمة فاسدة، وصمتٍ يكسو الجدران. شهرٌ بعد آخر، وهي هناك... لا صوت، لا حركة، لا حياة... ولا أحد سأل!
وهم الأضواء ومرارة الظلال
منشوراتها على "إنستغرام" كانت مليئة بالحب والشكر والتقدير، تكتب عن كل من عملت معه، تذكرهم بالاسم، تحتفي بإنجاز مشترك أو لحظة نجاح. لكنها، حين غابت، لم يُكلف أحد خاطره بالسؤال. بعضهم ربما ظن أنها "اختفت من السوشيال ميديا"، وبعضهم انشغل، وبعضهم تجاهل عن قصد. لكن الأدهى، أن من ادّعوا أنهم "أصدقاؤها المقربون" وبدأوا يولولون على صفحاتهم الإلكترونية بعد الخبر، لم يتواصلوا معها طوال تلك الفترة. بل إن الشرطة صرّحت أن من ادّعت أنها "صديقتها المخلصة" لم ترفع سماعة هاتفٍ لتسأل عنها، بل اختفت هي الأخرى، وتوارى هاتفها خلف الجدران.
وهنا تتجلى المأساة بكل تجلياتها: فتاةٌ عاشت وحيدة، ماتت بصمت، ثم حملها الخبر كرقمٍ في صحيفة، وجعلها اسمًا في ترندٍ سريع الزوال.
رفض الأب... ودفنها الغريب
الجزء الأكثر قسوةً لم يكن فقط في موتها، بل في موقف والدها الذي رفض استلام رفاتها، رفضًا صريحًا نابعًا من موقفه من عملها في الفن والمجال العام. لا تسأل عن الألم حين تصبح "الأبوة" مشروطة، حين يتحول "الدم" إلى عبء، وحين لا يجد الإنسان من يقول له "وداعًا" إلا حاكم منطقة، غريب، لكنه أكثر رحمة من كثيرين.
تقدّم ذاك المسؤول المحلي ليُكفّنها، ويمنحها لحظة دفن تليق بجسدٍ أنهكته الوحدة، بعدما رفض أبوها، ولم يتكلم عنها إلا أخٌ صغير، وحده، هو الذي قال "أنا آخذها لأدفنها في أرضها". ولكنه أيضًا كان أضعف من أن يتحرك أمام إرادة الأقوى.
موت يفضح الحياة
رحيل "جميرا" لم يكن مجرد وفاة عادية، بل صفعة للحياة، صفعة للذين يظنون أن الأضواء حماية، وأن الشهرة صداقة، وأن الصور كافية لتثبت للناس أنك محبوب. لقد ماتت في عزلتها، بينما كانت تظهر يوميًا بمظهر السعادة، وسط الزينة، والملابس الجميلة، والابتسامات المرتبة.
لكن لم يقرأ أحد ما بين السطور. لم يلحظ أحد الفراغ في عينيها، أو الثقل الذي كانت تحمله خلف عدسة الكاميرا.
صورةٌ أخيرة في المرآة
ربما لو وقفت أمام مرآتها في آخر مرة قبل أن تموت، لقالت لنفسها: "أين الجميع؟"
ربما تساءلت: "لماذا لا أحد يطرق الباب؟ لماذا لا أحد يسأل؟"
لكن أسئلتها ذهبت إلى سقف الغرفة، لم يسمعها بشر، فقط جدران باردة، وشمس كانت تدخل كل يوم على جسدٍ يزداد تحلّلاً، بينما العالم في الخارج يلهث خلف مشاهد وهمية، وصداقات زائفة.
ختامًا...
رحلت "جميرا" لتعلّمنا درسًا بالغ القسوة:
أننا نعيش في زمن تتجمّع فيه الأجساد وتتفكك فيه الأرواح،
أن كثرة المتابعين لا تعني كثرة المحبين،
وأن "اللمه الكذابة" على السوشيال ميديا لا يمكن أن تحلّ محل قلب حقيقي، أو يدٍ تمتد في لحظة حقيقية.
رحم الله "جميرا"...
رحم الله كل من ماتوا بصمت، ولم يبكهم أحد.
ورحم الله تلك الأرواح التي لا تجد في الحياة من يسندها، حتى يبتلعها الموت دون ضجيج.
التعليقات الأخيرة