بقلم د/سماح عزازي
في دروب الحياة المزدحمة، وفي زحام الأيام التي لا ترحم، قد تبهت بعض المعاني وتضيع منا التفاصيل الصغيرة التي كانت بالأمس نورًا في قلوبنا. لكن تبقى بعض القيم، كجواهر مخبّأة في أعماق الذاكرة، لا تبهت ولا تخبو… بل تزداد بريقًا كلما اشتدت علينا الحياة. من بين تلك القيم النبيلة التي لا تُقاس بثمن، تبرز الأخوة كأقدس رابط بعد الأمومة، ويأتي جبر الخواطر كأرقى عبادة لا تحتاج سجادة ولا قبلة، بل يكفي أن تنوي وتحب وتمنح.
أنا الأخت الكبرى… من اعتادت أن تكون الحصن، الحضن، والسند. كنت وما زلتُ معطاءةً، أفتح قلبي قبل بيتي، أسبق الجميع إلى السؤال، وأحمل همّ إخوتي كأنهم أطفالي الذين لم تلدهم رحمي، بل صنعتهم مشاعري ورعيتهم بعين القلب. لكنني، رغم هذه القوة الظاهرة، أحتاج – مثل أي إنسان – إلى لحظة دفء، إلى يد تُربّت على كتفي، إلى نظرة محبة تهمس لي: "لسْتِ وحدكِ… نحن معكِ."
ومؤخرًا، أدركت أنني لست وحدي فعلًا…
زارني أخي الذي يصغرني بعام، لكنه توأمي في الروح، ظلي الذي لا يفارقني. جاءني ومعه أولاده، يحمل "حلاوة المولد"، ولم تكن الحلاوة في العلبة، بل في حضوره، في ابتسامته، في دفء صوته وهو يملأ البيت بهجة. رغم أنني كنت قد اشتريت أكثر من علبة، إلا أن دخلة أخي كانت هي العيد، وكانت هي الحلاوة الحقيقية. جلس مع أولادي، ضحك معهم، جبر بخاطرهم وخاطري، ورحل وهو يترك في القلب فرحًا لا يوصف.
وفي ذات اليوم، جاءني خبَرٌ من بعيد… من غربتي الصغيرة التي تسكن هناك في قلب أوروبا. أخي الأصغر، الذي هو في حقيقتي ابني البِكر، فلذة كبدي الذي ربيته صغيرًا وسهرت على نومه، أرسل لي مبلغًا من المال. لم تكن الفرحة بقيمة المال، بل بقيمة التذكر… بقيمة التربية التي غرستها فيه يومًا فأثمرت وفاءً، ورجولةً، ومروءةً. كم شعرت بالفخر أن ما علّمته إياه منذ الصغر قد نما في قلبه، وحفظه في الغربة، رغم بعد المسافات واختلاف الثقافات، إلا أنه ما زال متصلًا بنا، متمسكًا بدينه، متشبثًا بجذوره.
هنا، همس لي قلبي: "ما أعظم أن ترى ثمار قلبك تُزهِر! ما أجمل أن تجني دفء ما زرعته يومًا حبًا وبذلًا!"
ثم نظرت حولي، فرأيت إخوتي الأربعة، سندي الحقيقي، قوتي الكامنة التي لا يراها الناس. أنا من تحملت مسؤولية الجميع يومًا، وكنت الأم الثانية، والمُعينة الصامتة، والمُضحية الأولى. لكنني الآن، أراهم هم من يُسندونني… يربتون على قلبي، يرفعون عني بعض الحمل، ويؤكدون لي دائمًا أنني لستُ وحدي في المعركة.
ما بين حضور أخي القريب، ورسالة أخي البعيد، وما أكنه في قلبي من حب لإخوتي الأربعة، أدركت أن الأخوة ليست قرابة دم فحسب، بل هي نعمة أمان، ومصدر طمأنينة، وبئر من الحنان لا ينضب.
وفي قلب كل هذا، تتجلّى عبادة منسية… جبر الخواطر.
كم نغفل عن قيمته رغم أنه من أعظم ما يُتقرب به إلى الله!
جبر الخواطر لا يحتاج إلى مال ولا جاه، بل إلى قلب طيب، وكلمة صادقة، ويد حانية.
جبر الخواطر هو أن تزور مريضًا، أن تُهاتف مغتربًا، أن تمنح ابتسامة لمن انكسر، أن تقول: "أنا معك" دون أن تُطالَب بشيء.
وقد قيل: "جبر الخواطر على الله"، ومن جبر خاطرًا جبر الله قلبه حين ينكسر، ورفع عنه البلاء قبل أن ينزل.
وفي هذه الأيام التي كثرت فيها القسوة، صار جبر الخاطر شبيهًا بصدقة جارية… قد لا تراه أنت، لكن الله يراه، ويحفظك به من حيث لا تدري.
في كل ما فعله إخوتي – سواء بالكلمة، أو الزيارة، أو التذكرة – رأيت تجليّات هذا الجبر النبيل. أحاطوني بحنان لا يُطلب، ودعم لا يُشترى، واهتمام لا يُوزَن إلا بميزان القلوب. وأنا، رغم أنني الكبرى، وقلب البيت النابض، إلا أنني اليوم، كنت الطفلة المدللة التي التفت حولها قلوب إخوتها، فشعرت أنها أغنى امرأة على وجه الأرض.
ختامًا…
لي إخوةٌ هم نِعْمَةٌ من الله، وسندٌ لا يخذل، وأمانٌ لا يغيب.
اللهم احفظهم لي، كما حفظوني، وبارك لي فيهم، كما باركوا أيامي بحبهم، وامنحني القوة لأبقى لهم كما كانوا لي: قلبًا واسعًا، وكتفًا حانيًا، وذاكرة لا تنسى.
لأن الأخوة ليست فقط رابطة دم… بل حياة كاملة، وقصة حب لا تنتهي.
التعليقات الأخيرة