بقلم د/سماح عزازي
في كل بيتٍ، هناك ساعة لا تُستخدم لمعرفة الوقت،
بل لمعرفة مقدار الغياب.
ساعة لا تدقّ، ولا تُعلن الصباح أو المساء، بل تُعلن شيئًا أعمق… أن الزمن توقف عند لحظةٍ لم تُعش حتى نهايتها.
في ذلك الركن المضيء بالكاد من بيتٍ غمره الصمت، وامتلأ بأثاث لا يشيخ، وذكريات لا تشيخ أيضًا، كانت الساعة المعلّقة على الجدار لا تشير إلى وقت محدد.
توقفت عقاربها عند الثانية والسبع دقائق، كما لو كانت تنتظر إشارة لم تأتِ.
كانت تلك الساعة تنتمي إلى نوع نادر من الأشياء… تلك التي لا تخدمك، بل تسكنك.
لم تكن أداةً لقياس الزمن، بل صدى لزمنٍ مضى، ومقياسًا لما لم يحدث.
في هذا العالم الزمني المشوّه، كانت المرأة تمضي أيامها بجوار تلك الساعة.
لا تنظر إليها لتعرف كم بقي من النهار، بل لتتذكّر كم فُقد من العمر. كانت كل ثانية متوقفة على وجه الساعة أشبه بورقة مجعّدة من دفتر الذكريات… مرّت بها ريح النسيان، لكنها لم تُقتلع.
كانت الساعة تقول أشياء لا تُقال… تُخبرنا أن من نحب قد لا يعود، لكننا سنظل نترك الباب مواربًا، والكرسي مجاورًا، والساعة متوقفة… احترامًا لوعد لم يُكمل طريقه.
في الغرفة ذات الجدران الأربعة، كانت هناك ساعة معلّقة، لا تتحرّك. عقاربها متوقفة عند الثانية والسبع دقائق، منذ سنوات. لكنّ العجيب أنها لم تتعطل.
كلما أدخلوا لها بطارية جديدة… رفضت.
كلما غيّروا مكانها… بقيت كما هي.
كأنها لا تعترف بالزمن، أو كأن الزمن قرر أن يتوقف معها.
لم تكن ساعة فاخرة، بل بسيطة، بإطار خشبي، وزجاج خفيف مشروخ عند الحافة. لكنها الوحيدة التي لا تُزال من مكانها.
حين سُئلت الجدة عن السبب، أجابت بهدوء غريب:
"لأنها الساعة التي قال لي فيها إنه سيعود."
منذ أربعين عامًا… وقف عند الباب، نظر إلى الساعة، وقال مبتسمًا:
"حين تشير عقاربها إلى الثانية والسبع دقائق… سأعود."
ثم غادر.
وهي لم تُجبه.
كانت تظن أنه يمزح.
لكنّه لم يعد…
ولم تتحرّك العقارب.
في البداية، ظنّت أنه النسيان.
ثم الزمن.
ثم الموت.
لكن شيئًا في الداخل كان يقول: "لا تُصدقي، فبعض الغائبين يخلّفون ظلالًا لا يزول لونها عن الجدران."
تغيّر كل شيء.
البيت، الناس، الذاكرة…
إلا الساعة.
حتى الأطفال حين كبروا، صاروا يسألونها:
"لماذا لا تصلحين الساعة؟"
فتضحك وتقول:
"لأن بعض التوقيت لا يُقاس بالدقائق… بل بالوعد."
كانت تدخل الغرفة، تجلس أمامها، وتحدّق بها كأنها تُجري حوارًا.
ربما تسألها:
"هل اقترب؟"
أم تقول لها:
"احفظي الموعد… حتى وإن أنكر الجميع وجوده."
كان الليل وقتها صامتًا إلى الحد الذي يُسمع فيه صرير الذاكرة. جلست أمام الساعة، لا لتراقب حركة عقاربها –
فقد كانت تعلم أنها لا تتحرك – بل لتراقب نفسها، كما لو أن العين أصبحت مرآة للقلب، تتفحص فيه ما تبقى من صبر، ومن بقايا حبٍّ لم يذبل.
مدت يدها إلى الزجاج المشروخ، ومسحته بإبهامها كما تمسح أمّ دمعة على خدّ صغير غائب. ثم همست للساعة بكلمات لم يسمعها أحد: "أنا لا أريد أن يعود… أريد فقط أن أعرف إن كنتِ ما زلتِ تذكرين اسمه."
وكأنها بذلك تطلب من الزمن أن يكون شاهدًا، أن يحتفظ بها في ذاكرة المكان، لا في صفحات التاريخ.
كانت تؤمن أن الأشياء تشعر، وأن الساعة ليست جمادًا، بل صندوق أسرار مغلق على وعدٍ لم يُفكّ بعد.
كانت تلك اللحظة التي توقفت فيها عقارب الساعة، هي ذاتها اللحظة التي توقفت فيها عن الحياة كما عرفتها.
من بعدها، لم تعد تطهو بطعم، لم تعد تضحك من القلب، ولم تعد تستقبل أحدًا بكامل حضورها.
ظلّ جزء منها هناك، عالقًا عند الثانية والسبع دقائق… كأنها لم تكمل الجملة، ولم تقل كل ما أرادت.
كأن الحياة انقسمت إلى "قبل الموعد" و"بعد الموعد"، لكنها هي… ظلّت تقيم في المنتصف، حيث لا وقت، ولا وجه، ولا وداع.
وحين مرت السنوات، وشاخت أيام الانتظار، وذبلت النظرات التي كانت تُرمى نحو الساعة كل صباح، ظلت هي هناك.
لم تُغيّر بطاريتها، لم تحاول إصلاحها، لم ترفع عنها الغبار… لأنها لم تكن معطّلة، بل كانت صادقة. صادقة في توقفها، في خذلانها، في صمتها المُطبِق
وفي ليلة خريفية، حين بدأ المطر يدقّ على الزجاج بإيقاع يشبه النبض،
سمعت صوتًا خافتًا،
كأنه وقع خطوات… ثم صوت خشخشة المفتاح في الباب.
قامت مرتبكة، اتكأت على الجدار، ومشت ببطء،
لكن الباب لم يُفتح.
وحين عادت إلى الغرفة…
رأت الساعة تتحرّك لأول مرة.
عقرب الدقائق… تجاوز السبع.
لم تصرخ، لم تبكِ، لم تضحك.
فقط جلست… وأغمضت عينيها.
في صباح اليوم التالي، وجدها حفيدها نائمة على مقعدها،
وعلى وجهها ارتسمت ملامح ارتياح عميق،
كأنها وصلت أخيرًا إلى اللحظة التي كانت تنتظرها.
ذلك الصباح الحزين، وجدوها جالسة في مقعدها المعتاد، رأسها مائل إلى كتفها، وعيناها مغمضتان على راحةٍ أخيرة.
لا ملامح صراع، ولا دموع. فقط سكون جميل، كأنها التقطت أخيرًا نبض اللحظة التي انتظرتها عند الثانية والسبع دقائق… وكأن الزمن الذي توقّف فيها عاد أخيرًا ليأخذها إليه.
ولم يُخرِج أحد تلك الساعة من مكانها. لم تُدفَن، لم تُصلّح، لم تُعلّق من جديد. بقيت كما هي، عقاربها عالقة عند نفس النقطة، كأنها تقول:
"هنا... رحل قلب، لكنه لم يترك المكان فارغًا."
وفي أسفلها، علّقوا ورقة صغيرة، بخط يد حفيدها:
"كانت جدّتي تنتظر… ولم تأتِ الساعة التي تُشير إليه.
لكننا، حين ننظر إليها الآن، نشعر أنها لم تكن تعني الوقت… بل كانت تعني الحب."
أما الساعة… فقد توقفت مجددًا.
لكن ليس عند الثانية وسبع دقائق…
بل عند الثانية وثمانٍ وعشرين دقيقة.
بعد أيام، جاء رجل غريب إلى البيت، يحمل حقيبة قديمة.
وقف أمام الباب طويلًا، ثم سأل بهدوء:
"هل السيدة التي كانت تسكن هنا… لا تزال تنتظر؟"
قالوا له إنها رحلت بهدوء.
فأخرج من جيبه ساعة صغيرة… مطابقة لتلك التي في الغرفة.
وقال بصوت مرتجف:
"كنتُ أحملها معي دومًا… كي أعرف اللحظة التي يجب أن أعود فيها."
ولم يُضف شيئًا.
ولم يسأل أحدٌ عن شيء.
في غرفة الجدة، بقيت الساعة المعلّقة في مكانها.
لا تتحرّك.
لكن كل من ينظر إليها… يشعر أن الوقت فيها مختلف.
كأنها لا تقيس الزمن… بل الحنين.
لأن بعض الساعات لا تقيس الزمن… بل تقيس الفقد.
ولا تدقّ لتعلن مرور الوقت… بل لتُعلن أننا ما زلنا نحب، وإن كان الوقت قد توقف.
بعد أعوام، في متحف صغير بمدينة لا أحد يعرف اسمها،
وضعت الساعة في جناح خاص،
وعلّقت أسفلها لافتة مكتوب عليها:
"بعض الساعات لا تُصلح… لأنها تضبط على توقيت القلب، لا عقارب العالم."
التعليقات الأخيرة