بقلم د/ سماح عزازي
في كل بيت، هناك ركن لا ندخله كثيرًا… لا لأننا نسيناه، بل لأن دخوله كفيلٌ بأن يوقظ وجعًا نام منذ زمن، وأن يعيد صوتًا انقطع… لكنه لم يخفت.
في هذا الركن… قد يكون صندوق صغير، أو مظروف مطوي، أو قميص مُعلّق في آخر الدولاب، لا يرتديه أحد، لكنه ما زال يملأ المكان برائحته.
رائحة تشبه شخصًا غاب… ولم يغادر حقًا.
قميص واحد، بملمس ناعم، وأزرار تعبت من الانتظار،
وقصة لم تُروَ كاملة… لكنها تعيش في تفاصيل القماش، وفي قلبٍ لم يتعلّم أن يُغلق فصلاً من الحنين.
نحن لا نحتفظ بالملابس لأننا نعجز عن التخلّي عنها،
بل لأننا — في العمق — نخاف أن ننسى من ارتداها يومًا…
ومن ترك شيئًا منه مطويًا في ذاكرتها.
هذه الحكاية… ليست عن القميص فقط، بل عن اليد التي كانت تطويه كل مساء، وعن القلب الذي، رغم الفقد، ظلّ ينبض كلما تنفّس القماش رائحته.
قصة عن القميص الذي لم يُغسل منذ رحيله… لأنه لا يحمل اتساخًا… بل يحمل رائحته. وعن قلبٍ ظلّ يفتحه كلما اشتدّ الغياب… ليتنفس الذاكرة.
كانت تعلم أن الملابس تُغسل بعد ارتدائها…
لكنها لم تغسل هذا القميص. علّقته على ظهر الباب، بعنايةٍ تشبه التقديس، كأنها تُعلّق فيه أنفاسه الأخيرة.
كان قميصًا أبيض، ناعم الملمس، تفوح منه رائحة عطوره المُحببة، ممزوجة بشيء آخر… شيء لا يُشترى ولا يُباع: رائحة من نحب.
كانت تمرّ بأيامٍ لا شيء فيها يربطها بالحياة… لا صوت
ولا زيارة ولا كلمة تُربّت على وجعها. وفي كل مرة، كانت تعود إلى القميص، تُقربه من وجهها، وتغلق عينيها كما لو
أنها تستدعي دفء كفّه من بين خيوط القماش.
لم يكن القميص يدفئها من برد الشتاء، بل من برد الغياب…
من وحدتها المدوّية التي لا يسمعها أحد. كل زرٍ فيه كأنما يُغلق على وجع، وكل خيطٍ يشدّ على نبضة باقية.
أحيانًا كانت تحدّثه همسًا، تقول له ما لم تستطع أن تقوله حين كان هنا، تشتكي له تعبها، وانكسارها، وتخبره أن أحدًا
لم يملأ فراغ صوته.
كانت تحكي له كأنّه حي، كأنّه يسمع، وربما… كان يسمع حقًا، فبعض الأرواح لا تغادر كليًا، تبقى حيث الحُب أقوى من الموت، وحيث القميص يخبئ قلبًا لا يزال يخفق بها، ولو في الغياب.
في إحدى الليالي، حين خيّم الصمت على البيت، أضاءت مصباح الغرفة الخافت وجلست أمام القميص كما تجلس أمام محراب صلاة. مدّت يدها بحذر، لمست ياقته، ثم قبّلتها كما تُقبَّل الجباه العائدة من سفر طويل.
همست له:
"أتعلم؟ لم أعد أحفظ صوتك كما كنت… لكنني ما زلت أحفظ كيف كنت تضحك حين أرتّب لك الأزرار خطأ."
كانت تبكي بلا صوت، لكن القميص كان يسمع. لم يكن قماشًا أبيض فحسب، بل كان دفتر عمر مفتوحًا، كل سطر فيه له نبرة، وكل طيّة تحمل ذكرى.
ثم سكتت قليلًا، ومسحت دمعتها بطرف الكم، وابتسمت كما كانت تبتسم له يومًا، وقالت كأنها تردّ على صمته: "أعرف… كنت تضحك الآن من دموعي… لكنك كنت، وحدك، تعرف كم أشتاق حتى وأنا أبدو بخير."
منذ أن ارتداه في لقائهما الأخير… لم تجرؤ على لمسه.
كلما مرّت به، شعرت أن بين طيّاته قلبًا يخفق، ونبضًا لم يتوقف رغم كل هذا الغياب.
أصبح القميص شاهدًا على زمنٍ توقف فيه كل شيء…
زمنٍ لم يمت فيه فقط من ارتدى القميص… بل ماتت معه أشياء كثيرة: صوت الضحك، نداءات المطبخ، فوضى الأحد، وأحاديث منتصف الليل.
لكن شيئًا واحدًا لم يمت: رائحته.
كانت تفتح الدولاب أحيانًا فقط لتتأكد أنه ما زال هناك. لا تغيّر مكانه، لا تطوي بجانبه شيئًا، فقط تمرّر أصابعها على الكُم، كما لو كانت تتفقد نبضًا قديمًا لم ينقطع بعد.
لم تكن تبكي دائمًا… بل كانت تبتسم أحيانًا، تلك الابتسامة الغريبة التي تشبه لمسة شمس دافئة في عزّ شتاء، كأنها تراه واقفًا أمامها، بنفس القميص، يقول لها كعادته: "شدي يا شيخة الكُم ده عدّليه، إنتِ بتغسلي إزاي؟!"
فتضحك، لا من الجملة، بل من الطريقة التي كان يقولها بها… فيها دلع، وحنان، وحياة كاملة.
اليوم، لا أحد يشدّ الكُم، ولا أحد يمازحها أمام مرآة الممر، ولا أحد يُعيد ترتيب القميص بعد أن تعب قلبه من كثرة الطيّ. لكن كل شيء كان حاضرًا… في الرائحة، في شكل الطية، في الزرّ الأخير الذي لم تكن تغلقه أبدًا، لأن إصبعه كانت لا تحتمله.
لم يكن القميص مجرد قطعة قماش،
كان ذاكرة معلّقة…
كان حضنًا لم يُغلق بعد، وعناقًا لا يزال ينتظر أن يُكمل التفافه.
كانت كلما اقتربت منه، أغمضت عينيها،
تستنشق رائحته بشراهة الجائع،
كأنها تبتلع الغياب وتنفض الغبار عن صوتٍ كان يهمس لها يومًا:
"هذا القميص أحبّه لأنك اشتريتِه لي بنفسك… سأرتديه كل أحد، حتى يصير يومًا مقدّسًا لنا."
مرّت الأحدات كلها بعده،
لكن دون قميص، ودون صوت، ودون حياة.
كلما حاول أحدهم إقناعها أن تغسله، أو تضعه في خزانة الذكريات،
كانت تهزّ رأسها بحزم يشبه الوجع،
وتقول بصوتٍ لا يقبل المساومة:
"إذا غسلتُه… سأفقده للأبد."
لأنها كانت تعرف أن بعض الروائح لا تعود…
وأن الغياب حين يُغسل، لا يعود نظيفًا، بل يعود فارغًا.
في إحدى الليالي، هبّت رياح شتوية قوية،
وسقط القميص عن الباب…
ركضت إليه كما تركض أمٌ خلف طفلها،
رفعته برفق، نفضت عنه الغبار، وضغطته إلى صدرها كأنها تحتضن قلبًا حيًّا.
جلست على الأرض، حضنته… وبكت.
بكت كما لم تفعل من قبل،
بكت لأن هذا القميص لم يكن مجرد بقاياه،
بل كان آخر ما يربطها به،
كان نافذتها إلى أيامٍ كانت لا تزال تُحب وتُحب.
ثم همست للقميص وكأنّه يسمعها:
"هل تذكر؟ كنت تقول إن الأبيض لا يليق بك، لكنه كان يليق بقلبك… النقي… الذي رحل قبل أن يُكمل الحكاية."
مرت السنون، وكبر الأولاد، وتغيّرت الأثاثات،
لكن القميص بقي… كما هو.
لا يزال معلّقًا، برائحةٍ خفيفة،
كأنها تُقاتل الزمن كي لا تختفي.
ولأنها كانت تعرف أن الرائحة هي آخر ما يبقى من الغائب،
كانت تمرّر يدها عليه أحيانًا… لا لتُعدّله،
بل لتتأكد أنه لا يزال هناك…
ينتظر معها ما لا يعود.
ذات يوم، وجدوها راقدة على كرسيّها، وفي حجرها… القميص.
وعلى ملامحها… راحةٌ هادئة، كأنها تنفّست أخيرًا كل ما احتفظت به.
لم تترك وصية، لم تكتب شيئًا،
لكنهم وجدوا بطاقة صغيرة مطوية في جيب القميص، مكتوب عليها:
"لا تغسلوه… دعوه يحتفظ بي كما كنت."
منذ ذلك اليوم، وُضع القميص في صندوق خشبي،
وكتب عليه بخط يدها:
"هذا ليس قميصًا… هذا قلبٌ كان هنا."
كانت تحمله كما يُحمل طفل لم يكتمل عمره،
تخاف عليه من الهواء، من الزمن، من العيون،
وتخاف أكثر… أن تنسى.
كلما خافت من الوحدة، أو غلبها الحنين،
كانت تفتحه على صدرها كأنها تفتح بابًا قديمًا على الزمن الجميل،
تطويه، تبكي، تضمه، وتعود للحياة كأنها عادت من موتٍ مؤقت.
لم يكن القميص أبيضًا فقط،
كان ملوّنًا بكل ما لم تستطع أن تقوله بعده.
بلون العناق الأول…
ورجفة الوداع…
وصمتها الطويل، الذي صار لغتها الوحيدة بعد رحيله.
كانت匕وحدها، في بيتٍ صار أكثر اتساعًا من قلبها،
لكنه ضيّق بما فيه الكفاية ليحفظ قميصًا لا تنساه،
وأملاً… لا يُقال.
وحين كبُرت أكثر، وضعف بصرها،
صارت لا ترى تفاصيل وجهه جيدًا في الصور،
لكنها كانت ترى ملامحه… حين تلمس القميص.
كانت الأصابع تعرف طريقها إلى الياقة،
وتتوقف عند الأزرار،
كأنها تطرق بابًا لا يُفتح،
لكنها تطرقه كل مساء.
وفي أحد الصباحات الباردة، حين دخل حفيدها
غرفتها ليقول لها "صباح الخير"،
وجدها نائمة…
والقميص مطويّ على صدرها،
وابتسامة خفيفة تضيء وجهها.
لم يقل شيئًا.
فقط جلس إلى جوارها وبكى.
لأنه فهم أخيرًا ما كانت تحاول تعليمه لهم دون كلمات:
أن الحبّ، الحقيقي، لا يُدفن مع أصحابه،
بل يبقى حيًّا في قميص قديم…
وفي قلبٍ لم يصدأ رغم الغياب.
وفي ركنٍ صغير من الغرفة، علّقوا القميص في إطار خشبي،
وكتبوا تحته بخط يدها:
"هذا حضن… لا يُنسى."
قد نظنّ أن ما تبقّى منهم هو مجرد قميص،
لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير…
فالقماش — وإن بدا خامدًا — يخفي نبضاتٍ قديمة،
ويحمل ملامح الأصابع التي أزرته آخر مرة،
وحنينًا لا تجفّفُه السنين،
لأنه ليس في القلب فقط… بل في الذاكرة، وفي الروح، وفي الهواء الذي يمرّ كل مساء ولا ينسى أن يلمسه.
رائحة القميص الأخير، ليست مجرّد عطر…
إنها الباب الوحيد الذي يُفتح بين الغياب والذكرى،
والممرّ السري الذي يعود منه من نحب، دون أن يقرعوا الباب.
وفي آخر سطر من الحكاية، لا نطوي القميص كما نطوي صفحة،
بل نعلّقه هناك… في القلب، حيث لا تصل إليه الأيادي،
لكن تصله الأحلام، والدموع، والدعوات الخافتة آخر الليل.
فبعض القمصان لا تُغسل، ولا تُرتدى،
بل تُحتضن… كلما اشتقنا إلى من لم يعد.
التعليقات الأخيرة