بقلم د/سماح عزازي
قصة عن الوعود التي لم تُكمل طريقها، عن الأشياء التي تنتظر أكثر من أصحابها… عن الحب حين يختبئ في تفاصيل بسيطة، تفيض وجعا دون أن تنطق
في كل بيت… هناك شيء لا يتحرّك، لكنه ينبض.
شيء لا يصرخ، لكنه يبوح. لا يتكلّم، لكنه يروي كل الحكاية.
قد تكون مظلة معلقة على مشجب، أو فنجانًا مكسورًا على طرف رفّ، أو معطفًا لم يُرتَد منذ سنوات…
لكنها — رغم صمتها — تحتفظ بكل ما فُقِد، بكل ما لم يُقل، بكل الدموع التي لم تجد طريقها إلى البكاء.
هذه قصة مظلة… لكنها ليست عن المطر.
بل عن الوعود التي قيلت في لحظة دفء، وانكفأت في لحظة غياب.
عن الحُب الذي لم يُعلَن… لكنه بقي، في القماش الباهت، في الخشب الصامت، في العين التي تدمع كلما مرّت، دون أن تلمس.
نحن لا نعلّق المظلات على المشاجب فقط…
بل نعلّق الحنين، ونعلّق الأيام التي لم تكتمل،
والكلمات التي اختنقت بين "سأعود" و"لم أعد".
ففي هذه الزاوية الصغيرة من الذاكرة،
تسكن القلوب التي لم تنسَ،
وتنتظر — دون صوت — أن يهطل المطر من جديد…
علّه يأتي بالذين غابوا، أو يُعيد صدى الخطى القديمة.
كانت مظلة بسيطة، بلون كستنائي دافئ، معلّقة على المشجب الخشبي القديم بجوار الباب. لا تفتح، لا تغلق، فقط معلّقة هناك منذ سنوات… شاهدة على وداع لم يكتمل، ووعدٍ لم يتحقق.
في البدء، لم ينتبه إليها أحد.كانوا يظنون أنها مظلة قديمة، منسية كبقية الأشياء في ركن البيت.
لكنها لم تكن كذلك…
لقد كانت جزءًا من حكاية لا يعرفها إلا صاحبها، وتلك التي انتظرته ذات مساء ممطر… ولم يعد.
لم تكن المظلة تحميها من المطر فقط… بل من الذاكرة
أيضًا.كانت، كلما فتحتها، تشعر كأنها تفتح صندوقًا
موسيقيًا يهمس باسمٍ تعرفه جيدًا، ويغني لزمنٍ لم تجرؤ
على الحديث عنه. كان المطر يهطل خفيفًا، فينساب على حواف القماش، لكن في قلبها…
كانت العاصفة. المظلة لم تكن مجرد غطاء، بل كانت ظلّه، دفئه، ذراعه التي امتدت يومًا لتحميها من البلل، وكلماته العابرة التي قيلت تحتها بصوت خافت:
"طالما أنا هنا… لن تبتلّي."
مرت سنوات، ولم يعد أحد يقول تلك الجملة، لكن المظلة كانت تقولها كل مرة تُنْزَل فيها من المشجب… بلغة لا تُفهم إلا بالقلب.
كانت تخشى أن تفتحها… ليس لأن المطر غزير، بل لأن الحنين أقوى. ولأن تحت كل ضلع من أضلاعها القماشية… يسكن نبضٌ لم يخفت، ووعد لم يُكمل طريقه.
كانت هي، تقف عند باب البيت، ترتدي معطفها الرمادي، وتمسك بالمظلة تلك… تنتظر.
قال لها يومًا:
"إن تأخرتُ… لا تنزعي المظلة من المشجب، فقط انتظريني كما انتظرتُ ضحكتك في ذلك المطر الأول."
"لا تخرجي تحت المطر، انتظريني، سأعود سريعًا."
أعطته المظلة، وقالت له بابتسامة صغيرة: "خذها… لا أحبك أن تبتلّ."
أخذها، وقبل أن يغلق الباب، التفت وابتسم:
"سأعيدها قريبًا… وأعيدك أنتِ أيضًا إلى صدري."
لكن الباب أغلق… ولم يُفتح من جديد.
لم تكن المظلة مجرّد قماش مشدود على أسلاك معدنية،
بل كانت لحظة حب متجمّدة، مسمارًا غرسه الحنين في خشب الباب، ولم يُنزع أبدًا.
ومنذ ذلك اليوم… بقيت هناك.
مرت السنوات، تعرّض البيت للغبار، تغيّرت الأثاثات،
لكن لا أحد تجرأ على نزعها من المشجب.
كانت الجدة تمر بجوارها كل صباح، تنظر إليها، وتتنهد.
كانت تعرف، دون أن تسأل،
أن هناك وعدًا لم يُكمل طريقه،
وأن تلك المظلة ليست قطعة مهملة، بل شاهد صامت
على غيابٍ لم يُشرح يومًا.
في الشتاء، كان المطر يهطل، وكانت تتسلل للباب،
تنظر إليها، وتتخيل يده تعيدها لمكانها، كما وعد.
تلمس القماش بهدوء، وتهمس:
"رجعت بس المظلة… وانت لأ."
كان كل شيء في البيت يشيخ… إلا الانتظار.
كل شيء تغيّر… إلا رائحة ذلك اليوم.
رائحة المطر، والخوف، والوداع القصير الذي طال أكثر
مما ينبغي.
أحيانًا كانت تسمع من يسأل:
"لماذا لا تُزال تلك المظلة؟" فتبتسم الأم وتقول:
"نحن لا نُزيل الذكريات… نحن فقط نعلّقها في مكانٍ لا نجرؤ على لمسه."
ومع مرور الوقت… صارت المظلة جزءًا من هوية البيت.
كل من زارهم لمحها، لكن لم يسأل كثيرًا،
لأن في بعض الأشياء وجعًا يُفهم دون أن يُشرح.
كانت تمر السنوات،
وتُطلّ المظلة في صمتها المعهود،
كأنها تعرف أن الزمن يغيّر كل شيء… إلا الحنين.
لم تكن المظلة وحدها على المشجب،
بل كان معلّقًا معها كل الانتظار الذي لم يُقال،
وكل الرجاء الذي انكسر بصمت.
كانت عينها كلما لمحتها، تمتلئ بدمعةٍ خجولة،
تسرق منها تماسكها وتُعيدها إلى تلك اللحظة…
حين خافت عليه من المطر، ولم تخف من الغياب.
كم مرّة مرّت بجوارها ولم تلمسها،
لكن قلبها لمسها ألف مرة!
كنت امر بالمظلة ولا المسها فقط احدق بها
كما يحدق القلب في جرحه القديم
كان المشجب الخشبي عند مدخل البيت كأنما يعرف دوره
في الحكاية. لا يشتكي من ثقل الذكرى، ولا من صمت
المظلة الطويل، بل يظل واقفًا، شامخًا، يحفظ لها مكانها، كما لو كان حارسًا لذاكرة امرأة لم تتعلّم أن تُغلق أبواب قلبها.
لم يكن المشجب قطعة أثاث… بل شاهدًا صامتًا على كل خيبة، كل تأخّر عن موعد، كل لحظة انتظرت فيها المطر ولم يأتِ… أو جاء دون أن يجيء صاحبه.
وفي كل مرة تمرّ بجواره، لا تُسلّم عليه كما كانت تفعل، لا تمسح الغبار عن المظلة، فقط تلمحها بطرف عينيها…
وتتذكّر أنها هناك، تنتظر… مثلها تمامًا.
تتدلّى منها أطراف الحكاية، وقد تجعد قماشها، وبهت لونه، لكن ظلّه ما زال واضحًا… كما لو كان لا يزال يقول لها:
"إن عدتِ، فأنا هنا… حيث تركتني، لم أغادركِ."
كان في كل خيط من خيوط قماشها قصّة،
وفي كل تطريز باهت دمعةٌ حُبست يومًا عن الخروج.
حتى الصدأ الذي بدأ يزحف إلى أطرافها…
لم يكن صدأ معدن،
بل كان صدأ الوقت حين يطول الانتظار،
وتتعفّن الوعود في دهاليز الغياب الطويل.
كانت عينها كلما لمحتها تمتلئ بدمعة خجولة
ذات مساء شتوي، وبينما الرياح تعصف بالخارج،
جلست هي بجوار الباب،
مدّت يدها، لمستها،
أخرجت منها ورقة صغيرة كانت مخبأة في طيّاتها منذ زمن،
وراحت تقرأ، بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"سأعود قبل أن تبللك السماء… لا تفتحي المظلة، افتحي قلبك لي."
أغلقت الورقة،
ونظرت للمظلة طويلاً،
ثم علّقتها من جديد،
وقالت:
"لم تمطر في غيابك فقط… بل أمطرت داخلي عمرًا كاملًا."
تظل بعض الأشياء رغم بساطتها، أقوى من كل التماثيل والأوثان،
تظل واقفة في صمت، كأنها تقول:
"هنا كان حبّ… لم يُقل، لكنه لم يمت."
المظلة التي على المشجب لم تُفتح من جديد،
لكنها فتحت داخل القلب آلاف المرات،
كلّما هطل مطر الحنين،
وكلّما توقّف الزمان عند وعدٍ لم يُنجز…
بقيت هناك…
لا تحرس الباب، بل تحرس القلب
ليست كل المظلات تفتح لتحمي من المطر…
بعضها يظل مغلقًا مدى الحياة،
لأن صاحبه وعد أن يعود،
ولأن صاحبتها لم تتعلم كيف تطوي الانتظار.
المطر الذي كانوا يخافونه معًا،
أصبح أمنية صغيرة،
علّه يهطل ذات مساء…
ويُعيد معه الخطوات التي رحلت دون أثر.
وحين كان الشتاء يُعلن قدومه من خلف النوافذ،
كانت تنظر للمظلة وكأنها نافذة على القلب،
تقرأ من خلالها ما لم يُكتب في الرسائل،
وتسمع ما لم يُقل في المكالمات…
صمت ثقيل،
لكن فيه كل الكلام الذي لم تسمعه قط.
المظلة… لم تعد مجرد ذكرى،
بل صارت ضلعا من قلبها،
جزءًا من حنينها،
ونصفَ وعدٍ ظلّ عالقًا بين الباب الذي أُغلق…
والعُمر الذي بقي مفتوحًا على الانتظار.
ليس كل المطر يُبلّل الجسد…
بعضه يُغرق القلب.
وليس كل المظلات تُفتح لتحمينا،
بعضها تظل مغلقة، معلقة، كأنها تحفظ موعدًا لم يأتِ بعد،
أو حبًا لم يعرف كيف يرحل.
المظلة التي بقيت على المشجب،
لم تكن مجرد شيء عتيق…
بل كانت ظلّ رجل لم يعد،
وصوت امرأة ما زالت تنتظر صدى وعده.
كانت هناك… حارسة لذاكرة لا تموت،
شاهدة على غياب يُوجع أكثر من الحضور،
وأحيانًا… حين كانت الريح تئنّ خلف الباب،
كانت تتحرك قليلًا، كأنها تقول:
"ما زلت هنا… كما كنتِ، كما كنّا، كما وعدنا."
فلا العواصف نزعتْها،
ولا النسيان اقتلعها،
ولا العمر أطفأ رجاءها.
لأن بعض الحكايات لا تنتهي بموت أصحابها،
بل تستمرّ… على هيئة مظلة تُطل من الماضي،
وتنتظر من يفتحها، لا ليحتمي من المطر،
بل ليحتمي من الوجع.
وبين المشجب والباب…
ظلّت المظلة واقفة، مثلها تمامًا.
لا تتحرك… لكنها لا تنسى.
لا تشتكي… لكنها تبكي كل شتاء، دون صوت.
وما الحياة — في النهاية —
إلا أبواب تُغلق دون وداع،
ومظلات معلّقة على مشاجب القلب…
تنتظر من لم يعد،
وتحرس من بقي، ولو بدمعة واحدة.
ولا تنتظر المطر، بل تنتظر من أخذها يومًا… ولم يعد.
التعليقات الأخيرة