بقلم د/سماح عزازي
في عالم يعجّ بالضجيج، وبين صفير القطارات وأنفاس المسافرين المتعجّلة للحاق بمصيرها، توقّف الزمن فجأة صباح الجمعة في محطة سكة حديد مركز بدر بمحافظة البحيرة. توقّف بلا جلبة، بلا إنذار… توقّف لأن روحًا قد غادرت الجسد، في صمتٍ مهيب، وكأنها كانت تعرف أن اللحظة لم تعد تتحمل مزيدًا من التزاحم.
في كابينة القيادة، حيث يُنتظر من الإنسان أن يكون الأكثر يقظةً ومسؤولية، كان السكون هذه المرة سيد الموقف… لا صوت للمحرّك، لا حركة للعجلات، ولا حتى نفَس من السائق. لم يكن عطلًا فنيًّا ولا عطلًا في الإشارات… بل كان الرحيل ذاته، في أبلغ صوره.
شهدت محطة سكة حديد مركز بدر بالبحيرة لحظات لا تُنسى، حين توقف أحد القطارات بشكل مفاجئ ودون تفسير، ليخيّم القلق على الركاب الذين اعتادوا على انسيابية الرحلات. توالت الدقائق ثقيلة، ولم يُفتح باب الكابينة، ولم يُسمع صوت السائق عبر أجهزة الاتصال الداخلية… حتى انقشعت الحقيقة القاسية: السائق قد فارق الحياة داخل كابينة القيادة.
كانت لحظة اكتشاف الوفاة مشهدًا من مشاهد السينما الواقعية، بل أكثر وقعًا وأشدّ تأثيرًا. لم يكن الحضور في المحطة من الركاب والعاملين يتصورون أن رجلاً قد بدأ يومه بكل ما يحمله من تفاصيل مهنية وروتين معتاد، سيختمه بالموت في مكانٍ لا يحتمل إلا الحياة والانتباه والتركيز الدقيق.
المفارقة الأشد وقعًا أن القطار كان متوقفًا لحظة الوفاة، ولم يكن في حالة سير. وكأن العناية الإلهية قد شاءت أن تتوقف الرحلة دون أن تكون الأرواح معلّقة على قضيب الموت، في كارثة كان يمكن أن تهزّ البلاد. لقد كانت لحظة رحيل، لكنها بلا دماء، بلا صراخ… سوى دموع خفية، وذهولٍ سكن الوجوه.
كارثة محققة تم تجنّبها، ليس بجهود بشرية هذه المرة، بل بترتيبٍ سماوي عجيب. لو أن الوفاة وقعت والسائق يقود القطار بسرعته المعتادة، لربما كنا الآن نتحدث عن مجزرة حقيقية، وعن عشرات الضحايا والجرحى. لكن السائق، وقد أنهكه التعب أو ربما المرض، أسلم الروح في لحظة سكون… كما لو أنه ودّع الحياة على أطراف سكّته الأخيرة، دون أن يؤذي أحدًا، ودون أن يُدرك حتى أنه يودّع.
رسائل وإشارات
هذه الحادثة التي قد يمر بها البعض مرّ الكرام، تحمل في طياتها إشارات غائرة تستحق التأمل:
أولًا، العامل البشري في منظومة النقل لا يزال الحلقة الأضعف حين يُهمل صحته، أو تُهمل الجهات المعنية مراقبة حالته النفسية والجسدية. لا بد من فحوص دورية حقيقية لا ورقية، تضمن أن كل من يُمسك بمصير الآخرين على القضبان أو في الجو أو في الطرقات، هو أهلٌ لهذه الأمانة الثقيلة.
ثانيًا، إن ما حدث يفتح النقاش مجددًا حول ضرورة وجود مساعدين دائمين في كابينة القيادة، لتجنّب مثل هذه السيناريوهات المأساوية. فلو كان القطار متحركًا، ولم يكن هناك من يراقب الوضع داخل الكابينة، لوقعت الكارثة.
ثالثًا، هو نداء خفيّ لكل إنسان يُسابق الوقت في مهنته، يُرهق نفسه دون راحة، يُؤجل العلاج أو الراحة بحجة "الواجب"، أن الحياة لا تُؤجَّل، وأن الجسد إذا صرخ ثم تم تجاهله… فالموت هو من يستجيب أخيرًا.
رحل السائق في صمت، وكأن صوت القطار قد احتبس احترامًا لوداعه. لم يكن بطلًا في صحيفة، ولا اسمًا يتصدّر العناوين كل يوم، لكنه كان إنسانًا يمارس عمله بشرف، في صمتٍ كصمته الأخير. لم يكن يعلم أن هذه الرحلة ستكون الأخيرة، وأنّ محطته الأخيرة لن تكون وجهة، بل قدرًا.
في رحيله، ترك رسالة خفية في الهواء: أن الوظيفة ليست أبدية، وأن عجلة العمل قد تدور بدوننا، لكن أرواحنا لا بد أن تنال حقها من الراحة، وأن أجسادنا ليست آلات لا تتعطّل.
فلنمنح العاملين في صمتهم بعضًا من النور، ولنلتفت إلى من يُمسكون بعجلات الحياة كل يوم، ونعلم أن في صمتهم… قد تسكن حكايات الرحيل المباغت.
رحم الله السائق… وأسكنه فسيح جناته.
المصادر:
وفق تصريحات الجهات المعنية، تم نقل الجثمان فورًا إلى مشرحة المستشفى العام، وجارٍ التحقيق في أسباب الوفاة، وسط ترجيحات بأنها طبيعية.
دعت هيئة السكك الحديدية إلى مراجعة شاملة لسياسات السلامة المهنية والفحوص الدورية.
شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة من الحزن والدعاء، وتحوّل السائق إلى "رمز للرحيل في موقع الواجب".
التعليقات الأخيرة