add image adstop
News photo

شخصيات من زمن فات الحلقة الاولي

 

بقلم م/ محمد صمد 

 

اهداء إلي روح أبي

"رحيل الأب وجعٌ لا يُشفى، وفراغٌ لا يُملأ، وحنينٌ لا ينتهي."

 

في الحياةِ لحظاتٌ لا تشبه سواها، ومواقفُ لا تُنسى مهما طال بنا الزمن… لحظاتٌ تُولد في القلب وتبقى محفورة في الذاكرة، لا يبهت لونها، ولا تفتر حرارتها، لأنها ترتبط بأشخاصٍ كانوا النور في عتمتنا، والسند حين ضاقت بنا الدروب.

 

من بين كل ما نحمله من تجارب ومشاعر، تظل الأبوة نبعًا لا يُعوَّض، وسقفًا من الأمان إذا انهار، تتبعثر الروح، وتتشظّى الأيام، وتصبح الحياة كرحلة بلا بوصلة، نُبحر فيها بأشرعة الحنين والحرمان.

 

ولأن الذكريات لا تموت، ولأن القلب لا ينسى من أحب، ولا يتقن نسيان من غرس فيه معنى الوجود، أُسطّر اليوم الحلقة الخمسين من سلسلتي "شخصيات من زمن فات"، لا لأروي سيرة بطل من بطون الكتب، ولا لأحيي ذكرى عظيم في صفحات التاريخ، بل لأكتب عن رجلٍ عاش بيننا، ورحل قبل أن نُدرك تمامًا كم كان وجوده حياةً بأكملها.

 

أكتب اليوم بمداد الشوق والدمع، عن من كان لي سبب الوجود، عن الأب الذي غاب جسدًا، لكنه ظلّ حيًا في قلبي، يرافقني في كل لحظة فرحٍ كنت أتمنى أن يُشاركني إياها، وفي كل انكسارٍ كنت أحتاج فيه لصوته، لنظرته، لدفء حضنه.

 

هي ليست مجرد سيرة ذاتية، ولا كلمات رثاء عابرة… بل رسالة حب ووفاء واشتياق، تُرفع إلى السماء، لعلها تصل إلى روحٍ أفتقدها كل لحظة، وروحٍ علمتني أن الكِبر ليس بالسن، بل بالمواقف، وأن العطاء لا يُقاس بالكلام، بل بالفعل الذي يخلّد صاحبه في القلوب.

 

في هذه الحلقة المميزة والخمسين من سلسلة "شخصيات من زمن فات"، أقدم لكم سيرة رجلٍ قلَّ نظيره في طِيب المعشر، ورقّة القلب، ودفء الحنان الذي كان يغمر به كل من حوله، قريبًا كان أو بعيدًا. رجلٌ تحقّق فيه قول القائل: "ما عاش من عاش لنفسه"، فقد كان عنوانًا للعطاء، لا يبخل بما يملك، ولا يتوانى عن مساعدة محتاج أو مواساة ذي قربى.

 

ذلك الرجل، الذي كان سبب وجودي في هذه الحياة، رحل عنّا في بدايات أعمارنا، قبل أن ندرك معنى الأبوة أو نرتشف دفء الحنان الأبوي… اسمحوا لي أن يكون حديثي اليوم عن قُرّة عيني، أبي الذي تمرّ اليوم سبعة وثلاثون عامًا على فراقه الأليم.

 

ولد أبي، عليه رحمة الله، عام 1924، وفُجع بوفاة والده وهو لا يزال في مقتبل العمر، ثم تبعتها وفاة أخيه الأكبر، فاضطر إلى خوض غمار الحياة مبكرًا، واتجه إلى التجارة، فكان مثالا في الأمانة، وحُسن الخلق، وطيب المعاملة، حتى صار من كبار التجار في بلدته والبلدان المجاورة.

 

تزوّج للمرة الأولى عام 1948 من إحدى كريمات عائلة النجار، ورُزق بسبعة من البنين وبنتٍ واحدة. لكن شاءت إرادة الله ألا تكتمل فرحته، إذ فقد أبناءه السبعة جميعًا وهم في عمر الطفولة، ولم يبقَ له سوى ابنته. ثم توفيت زوجته الأولى، تاركةً له طفلة لم تتجاوز السادسة من عمرها.

 

استسلم أبي لأحزانه بعد هذا الفقد الموجع، وأبيضّت عيناه من الحزن على فُقدان فلذات كبده. إلا أنه، وبعد حين، تماسك وسلم أمره لله، وتزوّج من والدتي في عام 1966، فرُزق بي بعد ثلاث سنوات، وكان قد بلغ من العمر الخامسة والأربعين. وبعدي بعامين جاء أخي أحمد، ثم وُلدت أختنا، وتلاها أخواي فتحي ورضا.

 

حين جاءتنا الحياة، شعر والدي أن الدنيا قد ابتسمت له من جديد، لكن الابتسامة لم تدم طويلاً، إذ أصيب بفشل كلوي حاد، وارتفعت نسبة البولينا في دمه، ولم يدم مرضه أكثر من يومين، حتى أسلم روحه الطاهرة إلى بارئها، في الساعة الثامنة من صباح يوم الجمعة، السادس والعشرين من فبراير عام 1982.

 

رحل وترك خلفه ستة من الأبناء، لا سند لهم في الحياة إلا الله… كنت أنا الثاني بعد أختي الكبرى، ولم أكن قد تجاوزت الثانية عشرة من عمري، وأصغرنا لم يتمّ عامًا ونصف، ولم ينطق كلمة "أبي" قط، فقد حُرم منها قبل أن يعرف معناها.

 

أتذكّر له موقفًا ما زال محفورًا في قلبي، إذ كنت معه ذات يوم في متجره، فرأيت سيدة تغادر وقد حملت مشترياتها دون أن تدفع. هممت باللحاق بها، فأمسك بيدي وقال: "دعها يا بُني… إنها تربي أيتامًا، ولا أريد إحراجها."

وفي المرة التالية، حين جاءت، أخرج لها مبلغًا من المال وقال: "هذا بقية حسابك عن المرة الماضية."

فبكت السيدة وقالت: "لكني لم أدفع لك شيئًا!"

فقال: "أعلم يا ابنتي، ومن الآن، تعالي كل أسبوع وخذي ما تحتاجين من طعام لأطفالك."

 

فقدان الأب تجربة موجعة لا يعرف قسوتها إلا من ذاق مرارتها، وخاصة حين يكون الأبناء أطفالًا لا حول لهم ولا 

قوة. بفقد والدنا، ذبلنا، وتألمنا، ونسينا طعم الفرح… كان هو مصدره، وكان الحنان كله يسكن بين يديه.

كنت أغبط أصدقائي على نعمة وجود آبائهم، وكنت أُكثر من الجلوس في بيوت رفاقي فقط لأسترق لحظاتٍ من الدفء في ظل وجود آبائهم، تُعوضني بعض الشيء عن حرماني من أبي.

 

"في كل لحظة إنجاز… أنظر إلى السماء وأتمتم: ليتك هنا، يا أبي."

كم تمنيت وجوده في لحظات فرحي وحزني، يوم نلت المركز الأول في الابتدائية، بعد وفاته بثلاثة أشهر، لم أشعر بالفرحة، لأنني كنت أحلم أن يأخذني بين ذراعيه ويهنئني. ويوم حصلت على المركز الأول في المرحلة الإعدادية، افتقدت ابتسامته، وحنوه، وكلماته التي لم أسمعها قط.

 

رحل أبي، لكن ظله لم يغادرني… ما زال يمسك بيدي في دعائي، ويبتسم لي في صمتي."

 

وفي يوم خِطبتي، شعرت بالغصة، لأنني لم أجد من يتقدّم لطلب يدي كما كان سيفعل هو، وتوالت المواقف التي تمنيت فيها وجوده… سندًا، ومشورة، وعطفًا، وحنانًا.

لقد حُرمنا من أن ننادي "أبي" صغارًا… بعضنا نطقها ولم يهنأ بها، والبعض الآخر لم يعرف معناها، كأخي رضا وفتحي، اللذين لا يذكران له صورة.

 

ما أصعب أن نكمل الطريق وركن الأمان مفقود… أن نمضي في الحياة ونحن نحمل صورة محفورة في الذاكرة لأبٍ لم يمهله القدر ليكمل معنا الحكاية، فأصبحنا نعيش نصف حياة، ونُكمِل فصول الرواية ببطولة من غاب عنها البطل الحقيقي.

 

رحل أبي وترك خلفه ظلالًا من الحنين، وأصداء من الحُب لم تكتمل… ترك وجعًا ناعمًا يسكن الزوايا، وأمنياتٍ معلّقة فوق سماء القلب، نرجو أن نلتقيه في جنة لا موت فيها ولا فُراق.

 

علّمتني الأيام أن الفقد لا يُداوى، وأن بعض الغياب لا يُعوَّض، وأن الأب، حين يرحل، يأخذ معه جزءًا من الروح، ويترك فينا يقينًا واحدًا: أن الدعاء هو الجسر الوحيد الذي يصل بين الأرواح، وهو الرمز الباقي للوفاء بعد الرحيل.

 

فيا كل من قرأ كلماتي، وتوقّف قلبه لحظة أمام صدقها، أرجوكم… لا تبخلوا بدعوةٍ صادقة، لعلها تكون نورًا في قبره، ورحمةً تسبق الحساب، وبلسمًا يداوي حرماننا الأبدي منه.

 

اللهم اجعل أبي من أهل الجنة، واجعل قبره روضة من رياضها، واغفر له كما غفرت لعبادك الصالحين، واجعلنا له صدقةً جارية لا تنقطع، وقرّة عينٍ في الدارين.

 

 قد تكتب الأقلام، وتفيض الدموع، وتبوح الأرواح، لكن لا شيء يكفي، ولا حرف يُنصف، رجلًا كان كلّ شيء… ثم أصبح ذكرى تُحييها القلوب كل عام.

 

"الأب لا يُعوّض، ولا يُنسى، ولا يُغني عنه أحد… هو النبع الأول، والمظلة الأخيرة."

 

أتوجه اليوم إلى الله، وأدعوه بكل ما في القلب من شوق، أن يتغمّد والدي برحمته، وأرجو منكم، أحبتي، أن تشاركوني الدعاء، فربّ دعوةٍ من قلبٍ صادق تصادف ساعة إجابة فتُسعد روحه في مرقده:

 

اللهم اغفر لأبي، وارحمه رحمة واسعة، وعافه، واعفُ عنه، ووسّع مدخله، ونقِّه من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، ونجه من عذاب القبر وعذاب النار، واغفر لآبائنا وأمهاتنا، ولمن دعا بإخلاص، يا أرحم الراحمين.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى