بقلم د/سماح عزازي
قصة عن الزمن الذي لا يمضي حين يبقى في قلوبنا من نحب
هناك أشياء لا تُشبه الزمن، ولا تخضع لقوانينه…
أشياء تقف في وجه النسيان، كأنها تعلن — بكل كبرياء — أن الذاكرة أقوى من الفقد، وأن الحب أقوى من الغياب.
تلك الساعة المعلّقة على الجدار… لم تكن مجرد آلة تقيس الوقت.
بل كانت نبضًا يُدقّ خارج القلب، شاهدًا صامتًا على حكاية رجلٍ لم يترك خلفه ثروة، ولا عقودًا، ولا شهادات…
بل ترك شيئًا أثمن بكثير:
ذاكرة من دفء،
وقلبًا ينبض في تفاصيلنا الصغيرة،
وصوتًا لم ينطفئ، حتى حين صمت كل شيء.
كانت ساعة جدي… لكنها لم تكن ساعة فقط.
كانت جزءًا منه، من صوته، من حضوره الذي لم يرحل يومًا،
من جلسته في منتصف الدار، من ضحكته، من يديه التي تصلح الأشياء وتصلح القلوب،
ومن عينيه اللتين كانتا تقولان دائمًا — دون كلمات —:
"الحب… هو الشيء الوحيد الذي لا يتوقف."
ومنذ رحيله… صارت الساعة تدقّ — لا للوقت — بل لتُذكّرنا به.
بأن الغائبين لا يغيبون فعلاً…
بل يتخفّون في التفاصيل.
في زاوية المنزل، معلّقة على الجدار، تقف ساعة خشبية قديمة… صوتها لم ينقطع يومًا، رغم أن صاحبها غاب منذ سنوات طويلة.
كانت ساعة جدي.
ساعة تختلف عن كل الساعات… ليست مجرد عقارب تُلاحق الوقت، ولا خشب معتّق يتآكله الزمن، بل صندوق صغير يحفظ نبض رجلٍ كان يقيس عمره بضحكات أولاده،
ويقيس سعادته بجمعة العائلة في يوم الجمعة،
ويقيس وجوده بصوت عقرب الدقيقة وهو يركض… لا نحو النهاية، بل نحو مزيد من الحياة.
حين كان جدي حيًّا، لم تكن الساعة مجرد زينة على الجدار،
كانت جزءًا من صوته. في كل مرة كانت تدقّ… كان يرفع عينيه إليها ويبتسم.
كأنها تقول له:
"لا تنسَ… ما زال هناك وقت لتحتضنهم أكثر."
كان يصلحها بنفسه. يفتح ظهرها بعناية، يلمّس مساميرها، يدهن تروسها بالزيت، ينفخ في قلبها ليُبعد عنها الغبار،
كأنها طفلته الصغيرة التي تحتاج إلى رعايته ليبقى صوتها حيًّا.
ثم… رحل.
رحل جدي.
رحل وجهه المليء بالتجاعيد الدافئة، رحل صوته العميق الذي كان يقول لي دائمًا:
"الزمن مش عدوك… الزمن شاهد بس."
لكن الساعة… لم ترحل. ظلت هناك.
تدقّ… كأنها ترفض أن تصدّق أنه لم يعد هنا.
في البداية، فكّرنا أن نوقفها…
أن نصمت هذا الصوت الذي صار يذكّرنا أكثر بما فُقد، لا بما تبقّى. لكن يدَ أمّي ارتجفت حين اقتربت منها، وقالت بصوتٍ خافت كمن يعتذر لشيء حيّ:
"لا… خليها تدقّ.
هي آخر صوت منه باقي معانا."
صارت الساعة شيئًا أكبر من خشب وزجاج ومسامير.
صارت مرآة… كلما دقّت، نتذكّر جمعة العائلة.
نتذكّر ضحكة جدي، وصوته وهو ينادي باسمي من بعيد، ويداه التي كانت ترتّب حياتنا الصغيرة بطمأنينة رجلٍ يعرف أن الحب هو الشيء الوحيد الذي يستحق أن يُقاس.
مرت السنوات…
تبدّلت الوجوه، وغابت أصوات كثيرة، وتغيّرت البيوت،
لكن الساعة… ما زالت تدقّ.
تدقّ كشاهدٍ صامت على أن بعض القلوب، وإن رحلت أجسادها،
تبقى…
تدقّ فينا،
وتدقّ للحب،
وتدقّ للذاكرة،
وتدقّ لتذكّرنا أن الزمن ليس هو الذي يمضي…
بل نحن من نمضي، والحنين يبقى.
وفي كل مرة أجلس فيها تحتها، أرفع رأسي نحوها، أغمض عيني، وأكاد أسمع صوت جدي يهمس لي كما كان يفعل دائمًا:
"الوقت؟
لا تخاف منه…
الوقت ما بيخدش حد،
اللي بيخد الناس… هو النسيان.
واحنا… ما بننساش."
وأبتسم.
ثم أترك الساعة… تدقّ.
أحيانًا اخري ، كنت أجلس تحتها لساعات… أراقب عقرب الثواني وهو يركض، كأنني أراقب قلبي نفسه وهو يتخبّط بين ماضٍ لا يريد أن يموت، وحاضر يحاول أن يتظاهر بالقوة.
كان الصوت المنتظم للتيك… تيك… تيك… أشبه بموسيقى لا يسمعها أحد غيري، موسيقى من الزمن القديم… زمن جدي، وزمن الحكايات التي تُروى على حافة المساء، زمن الضحكات المكتومة، ورائحة القهوة التي كانت تملأ البيت كل صباح جمعة.
كلما دقّت، شعرت أنها تربّت على روحي، كأنها تقول لي:
"اطمئن… أنا هنا.
الذين أحببتهم، لم يغادروا.
هم فقط، انتقلوا من المقاعد إلى الذكرى… ومن الصوت إلى القلب."
الغريب أنني كنت أظن أن عقارب الساعة تركض نحو الفقد، نحو الفراغ، نحو اللاشيء.
لكنني أدركت بعد زمن، أن هذه الساعة لا تقيس الزمن بالثواني والدقائق، بل تقيسه بكمية الحب الذي كان هنا… وما زال. تقيسه بمقدار ما تركه جدي خلفه فينا من طمأنينة، من دفء، من يقين أن بعض الغياب لا يُطفئ الحياة، بل يُشعلها حنينًا.
كنت أظن أن الأشياء تموت حين يغيب أصحابها…
لكنني كنت مخطئة.
بعض الأشياء — مثل ساعة جدي — لا تموت، بل تتحول إلى ذاكرة نابضة، إلى قلبٍ ثانٍ يخفق حين يخفت صوت الأحبة.
كنت أراقب عقاربها وهي تدور، وأشعر أنها لا تلاحق الزمن… بل تطارده، كأنها تحاول أن تقبض على لحظات مضت، وتحبسها في قلبها الخشبي، حتى لا تُسرق منا.
كأنها تهمس:
"أنا شاهد على أصواتكم… على ضحكاتكم… على قهوة الصباح، وموائد الجمعة، وحكايات الليل الطويل…
أنا شاهد على أنكم كنتم هنا… وما زلتم، رغم الغياب."
صوتها لا يزال يملأ البيت، كأنها ترفض أن تدع للفراغ مكانًا.
كل دقّة منها ليست مجرد صوت خشبٍ وصدى معدن… بل نبضة من جدي،
كأنها يده التي كانت تربّت على كتفي، كأنها صوته وهو يقول لي بابتسامته الواسعة:
"إياك تخاف من الزمن…
الزمن ما بيخدش حد.
اللي بيخد الناس… هو إنهم ينسوا بعض."
في كل مرة كانت تدقّ، كنت أشعر أن شيئًا داخلي ينهض من تحت الركام…
ركام الفقد، وغياب الأصوات، وتبدّل الوجوه، وتساقط التفاصيل التي كنّا نظنها أبديّة.
كم مضى من الوقت منذ رحل؟ لا أدري…
فالساعة وحدها ظلت تعرف، تقيس غيابه بوقعٍ مستمر، لا يرحم، لكنه أيضًا لا يخون.
كنت أظن أن الزمن قاسٍ، أن كل دقّة تعني خطوة أبعد عن جدي،
لكنني اكتشفت — متأخرًا — أن الزمن الذي تُدقّه هذه الساعة ليس زمن الرحيل،
بل زمن البقاء… البقاء في القلب، في الذاكرة، في تفاصيل الأشياء التي رفضت أن تموت.
صوتها لم يكن مجرد صوت ساعة،
كان صوته حين كان يقول لي بنبرة حانية:
"إوعى تفتكر إن الزمن بيمحي الناس…
الزمن بس بيختبر مين اللي حافظ ومين اللي نسي."
وكنت أنظر إليها…
وأبتسم، وأربّت عليها كما لو كانت قلبه النابض المعلّق على الجدار،
فلا هي ساعة فقط…
ولا هو غائب حقًا.
ولهذا… ما زالت الساعة تدقّ.
وما زال قلبي يدقّ معها… على إيقاع الذين أحببناهم… وما زلنا.
اليوم، كل شيء تغيّر.
البيوت تجددت، الأرصفة تهالكت، والأصوات بهتت،
لكن الساعة…
ما زالت هناك.
تدقّ بنفس الإصرار، بنفس الإيقاع،
كأنها ترفض أن تنضمّ إلى جوقة الصمت.
وفي كل مرة يعلو صوتها في البيت،
كأنها تنفض الغبار عن الذاكرة،
وتقول لنا — نحن الذين نظن أننا نسينا —:
"لا… لم تنسوا.
لأن الذين يُحبّون بصدق، لا يعرفون كيف ينسون."
ربما لم تعد يداه هنا لتصلحها إن تعطّلت،
لكنها لم تتعطل… لأنها ليست مجرد آلة.
هي قطعة من قلبه، قطعة من روحه، معلّقة بين خشب الجدار وذاكرة أحفاده.
وكلما نظرت إليها، فهمت…
أن الزمن لا يمضي كما نظن،
الذي يمضي… هو نحن.
أما الحب… والحنين… والذين سكنوا القلب يومًا،
فهم لا يمضون أبدًا.
هم فقط…
يتحولون إلى ساعة على الجدار…
ما زالت تدقّ.
التعليقات الأخيرة