add image adstop
News photo

"رسائل لم تصل… وقلوب لم تنسَ" مجموعة قصصية إنسانية من زمن لا يُكتب فيه الحب، بل يُشعر القصة السابعة على الهامش… كانت تكتب اسمه

 

 

بقلم د/ سماح عزازي

 

قصة عن أولئك الذين لا يقولون الحب، 

لكنهم يكتبونه في الأماكن التي لا يراها أحد.

 

لم يكن أحد يعرف.

لم يكن أحد يلاحظ.

لكنها — على الهامش — كانت تكتب اسمه

 

في هذا العالم الذي يزدحم بالصخب والضجيج والكلمات المعلنة، هناك دائمًا قلوب تختار أن تحبّ في الظل… في المساحات البيضاء، في الهامش. لأنها تعرف أن بعض المشاعر، كلما كُتبت على السطر، صارت هشّة، قابلة للكسر، وعرضة للأسئلة والخذلان.

 

هي لم تكن تبحث عن بطولة عاطفية، ولا عن نهاية تشبه الأفلام. كانت فقط تريد أن تظلّ حكايتها صافية…

حكاية تُكتب في الزوايا الصغيرة من الورق، وفي زوايا قلبها، بعيدًا عن الأعين، بعيدًا عن الفوضى.

 

لم يكن أحد يعلم أن كل ورقة مرّت بين يديها كانت تحمل أثره… اسمه مرسوم بخطّ خفيف على الهامش،

كأنها تخشى أن يراه أحد… لكنها في الحقيقة كانت تخشى أن لا يراه قلبها يومًا، أن يتسرّب من ذاكرتها كما يتسرّب البخار عن زجاج النافذة بعد لحظة دفء قصيرة.

 

في الهامش…

كانت تكتب اسمه،

وتكتب معه كل ما لم تستطع أن تقوله.

 

في هوامش دفاترها، على أطراف قصاصات التسوّق، في الزوايا البيضاء من الصحف القديمة، حتى على البخار الذي يتكثف على زجاج النافذة في صباحات الشتاء…

كانت تكتبه.

لا ككلمة، بل كنبض.

كأن حروفه الأربعة قادرة أن تهزّ صمتها، وتربّت على

 قلبها كلما حاول أن يدّعي النسيان.

 

لم تكن تحكي لأحد.

ولا هو يعلم، ولا ربما خطر بباله أن هناك قلبًا صغيرًا 

يتّسع له كلما ضاق به العالم.

 

هو كان عاديًا جدًا في عيني الجميع:

شاب يمرّ في الشارع، يشتري قهوته، يحيّي البائع،

 يضحك مع صديقه، ثم يمضي.

 

لكنه لم يكن عاديًا في عالمها.

في عالمها، كان فصلًا كاملاً…

فصلًا لا يبدأ أبدًا، ولا ينتهي.

 

ذات يوم… وبينما كانت تكتب، تسرّبت دمعة خفيفة على الهامش، فلطّخت أحد الحروف. لم يكن هذا خطأ مطبعيًّا…

بل كان إعلانًا صامتًا أن القلب يكتب أحيانًا ما لا يجرؤ اللسان أن يقوله.

 

سنوات مرت…

تغيّرت أوراقها، كبرت دفاترها، تغيّر شكل الخط، وارتعشت أناملها أكثر كلما حاولت أن تكتب نفس الحروف.

لكنه ظلّ هناك… في نفس المكان:

على الهامش. في الزاوية التي لا يراها أحد، لكنها كانت بالنسبة لها، المساحة الأصدق، الأوفى، والأكثر حياة.

 

حتى عندما تعبت من الانتظار، ولم تعد تملك شجاعة أن تكتب اسمه بوضوح، كانت تختصره إلى حرف.

ثم إلى نقطة. ثم إلى فراغ… لكنها كانت تعلم، ويعلم قلبها، 

أن الفراغ ليس فراغًا، بل اختصارًا لكل شيء.

 

في نهاية الدفتر…

كان الهامش مليئًا بالحروف، بالأسماء، بالأحلام الصغيرة 

التي لم تعرف الطريق إلى الواقع.

 

ربما لم يقرأ أحد ما كتبته يومًا.

وربما لم يعرف أبدًا أنه كان حاضرًا في كل سطر صامت،

 وكل هامش مهمل.

لكنه لو عرف — فقط لو عرف — لكان فهم أن بعض القلوب تحبّ في المساحات التي لا يلتفت إليها أحد،

وتكتب أسماءهم…

ليس على الجدران، ولا في العلن،

بل في الزوايا الصغيرة التي لا يمحوها الزمن،

ولا تنال منها الرياح.

على الهامش… لكنها كانت حكاية العمر كله.

 

كانت تعرف أن كتابة اسمه لن تجعله يلتفت…

لكنها كانت تكتب، لا لتلفت انتباهه، بل لتطمئن 

أن قلبها ما زال نابضًا.

أحيانًا، كانت تتأمل الحروف طويلًا بعد أن تكتبها…

تحدّق في الألف كأنها تعانقه،

وفي اللام كأنها تسند رأسها على كتفه،

وفي الميم كأنها تدور حوله كما تدور الفكرة حول من لا يغادرها، وفي الياء… تلك التي تشبه امتداد صوتها حين تُناديه في صمت.

 

لم تكن جريئة بما يكفي لتقولها بصوتٍ عالٍ…

لكنه كان حاضرًا في كل تفاصيلها الصغيرة،

في نسيج قميصها، في زاوية دفتر محاضرتها، في رائحة قهوتها الصباحية، في كل مكان إلا صوته. لأن صوته كان الشيء الوحيد الغائب… الغائب الذي تشتاقه، وتخافه، وتكتبه… دون أن تقوله.

 

كانت تتساءل دائمًا:

 

 "كيف يمكن لاسمٍ أن يملأ كل هذا الفراغ؟

أن يصبح وسادة حين تتعب، وضوءًا حين يبهت اليوم،

ويدًا تربّت على كتفها حين يخذلها العالم…

دون أن يعرف؟"

 

الغريب أن لا أحد كان يلاحظ.

العالم كله كان يمشي، يتحدث، يضحك، يركض…

لكن أحدًا لم يرَ أن الهامش الذي يظنه الآخرون مساحة

 بيضاء، كان في حقيقتها… مساحتها الوحيدة للنجاة.

 

هناك فقط،

كانت تحبّه بلا شروط،

بلا خوف من الرفض،

بلا وجع الإجابة،

لأن الهامش لا يسأل: لماذا؟ ولا يقول: توقفِ.

الهامش فقط… يفتح ذراعيه، ويصمت، ويحتفظ بالأسرار.

 

كانت تكتب اسمه… لا لأنها تأمل أن يقرأه، ولا لأنها تنتظر أن يحدث شيء.

بل لأنها في كل مرة تخطّ حروفه، كانت تشعر أن قلبها يعود ليعمل من جديد، كمن يعيد تشغيل آلة توقف نبضها للحظة.

اسمه كان زرّ الإنقاذ الوحيد في أيامها الثقيلة،

كان التمرين اليومي الذي تفعله لتذكّر نفسها أنها ما زالت قادرة على الحب… حتى لو كان من طرفٍ واحد، حتى لو لم يعلم، حتى لو لم يلتفت.

 

كم مرة خطّت اسمه؟

كم مرة قالت في سرّها:

 

 "يكفي أن أكتبه… ليشعر الكون كله أنني هنا، أحبه في صمت، في الظل، في الأماكن التي لا يمر بها أحد."

 

كانت تعلم أن الحكاية كلها قد لا تتجاوز كلمة على هامش ورقة،

لكنه بالنسبة لها… كان وطنًا صغيرًا،

ملاذًا تعود إليه حين يرهقها الواقع،

حين تشعر أن العالم صار ضيقًا جدًا… إلا المساحة البيضاء بجانب السطر، المساحة التي لا تُطال، ولا تُحاسب، ولا تُدان.

 

في كل مرة كانت تخاف أن تنساه… كانت تعود لتكتبه.

وفي كل مرة كانت تخاف أن تتعلق أكثر… كانت تكتبه أيضًا.

كتابةٌ لم تكن لتُنسي، ولا لتُشفي،

بل كانت طقسًا غريبًا بين الألم والرجاء…

طقسًا لا يفهمه إلا الذين عرفوا ماذا يعني أن تحبّ أحدهم على الهامش،

بلا صوت، بلا وعد، بلا مقابل…

لكن بكل ما في القلب من حياة.

 

ربما لم يلتفت يومًا.

وربما لم يقرأ، ولم يشعر، ولم يخطر بباله أن هناك قلبًا

 عاش عمره كله على الهامش… لأجله.

 

لكن الحقيقة لا تتغير.

أن الهامش، الذي ظنّه الجميع مكانًا للمهمل والمنسي، كان في حقيقتها المساحة الوحيدة الآمنة، التي استطاعت فيها أن تحبّه كما ينبغي، بصدقٍ لا يشترط المقابل،

وبوفاءٍ لا يحتاج إلى اعتراف أو خاتمة سعيدة.

 

ولأنها تعرف — أكثر من أي وقت مضى —

أن بعض الحكايات تُكتب فقط… لتبقى.

لا لتُقرأ، ولا لتُقال.

 

لهذا السبب…

ظلّ اسمه هناك، على الهامش…

شاهِدًا صامتًا على قلبٍ أحبّ أكثر مما يجب،

وصمت… أكثر مما يحتمل.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى