add image adstop
News photo

حين بكت الأرض.. ورثت السماء تسعةَ عشرَ قمرًا دفعةً واحدة كفر السنابسة.. وجعٌ تخطّى حدود الصبر

 

بقلم د/سماح عزازي 

 

نزف الحبر قبل أن ينزف القلب…

في زمنٍ صار فيه الخروج إلى لقمة العيش معركةً لا تقلّ قسوةً عن ميادين الحروب، وفي وطنٍ يقتاتُ فيه الكادحون على فتات الأحلام، جاءت الفاجعة قاسيةً، موجعةً، تختصر حكاية وطنٍ بأكمله. وطنٌ تُكتب على طرقاته دماء الطيّبين، وترتسم على أرصفته ملامحُ التعب، وتُشيَّد فيه مقابرُ من العرقِ والكدِّ أكثر مما تُشيَّد عليه صروحُ الرفاهية.

 

في صباحٍ كان يُفترض أن يكون كباقي الصباحات، استيقظت كفر السنابسة لا على صوتِ العصافير، ولا على ضجيجِ السواعد المنطلقة إلى الحقول، بل على صرخةٍ أفزعتِ الحجرَ قبل البشر.

تسعةَ عشرَ زهرةً، تسعةَ عشرَ قمرًا، تسعةَ عشرَ قلبًا كان ينبض بالأمل… رحلوا دفعةً واحدة، ارتقت أرواحُهنّ على قارعةِ طريقٍ اعتاد أن يبتلعَ أحلامَ الفقراء، دون أن يرفَّ له جفن.

 

ليست مأساةَ أسرٍ فقط، بل مأساة وطنٍ بأكمله… وطنٌ يقف مذهولًا أمام مشهدِ النعوشِ البيضاء، وهي تُحمل فوق الأكتاف، تصرخ في وجهِ العالم: أما آن للفقر أن يكفَّ عن ابتلاع أبنائنا؟ أما آن للأرض أن تتوقف عن تقديم أرواح أبنائها قرابين على مذابح الطرق والخطر والإهمال؟

 

إنها ليست مجرّد حادثة، بل صفعةٌ مدوّية في وجهِ الإنسانية، ونداءٌ صارخ بأنّ الأوجاع التي تُزهر على الطرقات ليست قَدَرًا، بل نتيجةَ إهمالٍ مزمنٍ، يقتات على أرواحِ البسطاء، ويترك خلفه قلوبًا محطمة، وطفولةً تيتمت، وأمهاتٍ لم يعُدن، إلا أسماءً على شواهد القبور.

 

في فجرٍ خانتهُ الأقدار، واستيقظت فيه الشمس على فاجعةٍ لم تحتملها الأرض، ارتفع نحيبُ القرى، وسُمع أنينُ الحقول، حين ودّعت مصرُ تسعةَ عشرَ زهرةً في مقتبلِ العطاء، كنَّ يسابقنَ الصباح بحثًا عن لقمةٍ حلال، وعن رزقٍ يسترُ بيوتًا أرهقها ضيقُ الحال.

 

لم يكن صباح الجمعة عاديًّا في كفر السنابسة، تلك القرية الطيّبة الواقعة على ضفاف الحقول، حيثُ تسكن البساطة، ويقتات الناسُ على الكدِّ والكفاح. نساءٌ شابات، في عمر الزهر، خرجنَ كما اعتدنَ منذ سنين، يحملن أثقال الحياة على أكتافٍ نحيلة، وقلوبًا ممتلئةً بالرضا والإيمان... لكنهنّ لم يعلمن أن الرحلةَ هذه المرة ليست إلى العمل، بل إلى السماء.

 

 موكب الرحيل الكبير

على الطريق الإقليمي، حيث تتقاطع الأقدار مع الأقدام، وقع الحادثُ الذي دوّى صداه في قلوب المصريين جميعًا. حافلةُ العاملاتِ في الأراضي الزراعية، انقلبت فجأة، فتطايرت معها الأرواح، وارتفعت إلى بارئها، مخلفةً خلفها مقابر من الوجع، وبيوتًا غمرها السواد.

 

لم تكن ضحايا الحادث مجرّد أرقام تُسجّل في سجلات المرور، ولا حوادثَ تُطوى كأنها صفحةٌ عابرة... بل كنَّ أمهاتٍ في مقتبلِ الأمومة، وأخواتٍ يسندنَ عائلاتٍ بأكملها، وفتياتٍ يقفنَ في وجه الفقر بكرامةٍ لا تلين.

 

 أيُّ وجع هذا؟

أيُّ وجعٍ هذا الذي يخرُّ له قلبُ الوطن؟

أيُّ مأساةٍ تلك التي جعلت الجبالَ تتصدّع، والمآذنَ تبكي، والسماءَ تكتسي بالسواد؟

 

إنها ليست فاجعةَ قريةٍ واحدة، بل وجعُ وطنٍ بأسره، حين تُصبح لقمة العيش مغموسةً بالدمع، مختلطةً بتراب القبور، حين يُصبح الخروجُ للرزق خروجًا إلى الموت، دون سابق إنذار، ودون أن تُمهل الحياةُ الأمهات لتُقبِّلن أطفالهن قبلةً أخيرة.

 

 نساءٌ من نور

كلّ واحدةٍ منهنّ كانت قصةً تُروى، روايةً من الكفاح اليومي في سبيل الكرامة. لم يستسلمنَ يوماً لعوزٍ ولا لفقر، لم تُرهقهنَّ الطرقُ الوعرة، ولا بردُ الصباح، ولا تعبُ المواسم... كنّ عناوينَ للشرف، وراياتٍ للمروءة، وأمثلةً صارخةً على أنَّ الكادحين هم أنبلُ أهل الأرض.

 

خرجْنَ مع الفجرِ بأحلامٍ من نور، وقلوبٍ تحملُ أثقالَ البيوتِ، لكن لم تعد أرواحُهُنَّ إلا وقد صعدت إلى علياءِ الرحمةِ، وارتفعت معها دعواتُ القرى المفجوعة، تنادي ربًّا لا يُضيعُ عندهُ الدمعُ ولا الألم.

 

 بين يدي الله.. عرائس الجنان

يا ربّ… إن بين يديك أرواحًا طاهرة، خرجت تطلبُ الحلال، لم تدنّسها معصية، ولم يُلطّخها طغيان. نساءٌ سجدنَ في محرابِ التعب، فاختارتهنَّ رحمتكَ في لحظةٍ تُرجفُ القلوب… فاللهم اجعلهنّ من عرائس الجنان، وافرش لهنّ من نوركَ مدادًا، وأكرم مثواهنَّ برضاك، واغسل جراحَ قلوبِ أهلهنَّ بماءِ الصبر، وربِّت على أكفّهم الموجوعة بيدِ رحمتك.

 

 أكثر من حادث.. إنه نداء وطن

لم يعد الأمرُ مجرّد حادث مرور، ولا مجرّد سطرٍ في الأخبار اليومية، بل جرسُ إنذارٍ يدقُّ بقوة في آذان المسؤولين، صرخةُ وطنٍ يجب أن تُسمع.

متى يصبحُ الفقيرُ في هذا البلدِ آمنًا وهو يخرجُ إلى عملهِ؟

متى تُصبحُ الطرقُ أكثر أمانًا؟ والمركباتُ أقلَّ موتًا؟

أليس من حقِّ الكادحين، هؤلاء الذين يبنون الوطنَ بعرقهم، أن تحميهم الدولةُ كما تحمي ثرواتها؟

 

دموع لا تكفي.. ووجع لا يموت

في كفر السنابسة، لا صوت يعلو فوق صوت الفقد.

بيوتٌ سكتت فجأة، وصمتت معها الضحكات.

أطفالٌ ينتظرون عودة أمهاتهم، ولا يعلمون أنهنّ عدن، ولكن محمولاتٍ على الأكتاف... عُدنَ إلى التراب، حيث تبدأ حكايةٌ جديدة، عنوانها: هنا مرّ الفقرُ، فالتهم الحياة.

 

 رسائل إلى من يهمه الأمر

إلى الضمائر النائمة… استيقظوا، فالوطنُ يُنادي.

 

إلى أصحاب القرار… موتُ الفقراء ليس قدَرًا محتومًا، بل نتيجةُ إهمالٍ صارخٍ لا يليق بوطنٍ يسعى إلى الكرامة.

 

إلى المجتمع… لا تجعلوا الحزنَ لحظةً عابرة، بل اجعلوه شعلةً توقظُ فينا الإحساس بالمسؤولية تجاه كلِّ كادحٍ يخرج كلَّ صباحٍ حاملاً عمرَه على كفّه.

 

 الختام.. ما بين الصبر والرحمة

نرفعُ الأكفَّ إلى السماء، وندعو من أعماق القلوب:

اللَّهُمَّ… تقبّل بناتِ كفر السنابسة في منازلِ الرّضوان، واغسلْ قلوبنا من الحزنِ بالصبرِ الجميل، واجعلْ دموعَ اليومِ شفاعةً لهنّ، وشهادةً علينا أنّنا لم ننسَ، ولن ننسى.

 

 بين صرخةٍ في الأرض، ودعاءٍ في السماء…

وأمام هذا المشهدِ الذي تعجزُ الكلماتُ عن وصفِه، وتنكسرُ الأقلامُ من ثقله، لا يسعنا إلا أن نرفعَ أكفَّ الضراعة، ونناجي ربًّا لا يضيعُ عنده دمعُ مظلوم، ولا يذهبُ سدى وجعُ مكروب.

 

اللَّهُمَّ… اجعلْ بناتِ كفر السنابسة من عرائس الجنان، وارحمهنّ رحمةً تُذهِبُ عن قلوبِ أهلهنّ كلَّ ألم، واغمر قبورهنّ بنورِ رحمتك، واجعلْ مأواهنّ دارًا خيرًا من دارهنّ، وجوارًا خيرًا من جوارهنّ.

اللَّهُمَّ… اربطْ على قلوبِ الأمهاتِ المكسورات، والآباءِ الموجوعين، والأطفالِ الذين انتظروا عودة أمهاتهم، فعاد إليهم الصمتُ، والفراغُ، ورائحةُ الفقد.

 

ولكن، هل يكفي الدعاء وحده؟ هل يكفي أن نبكي اليوم، ونغفل غدًا؟ أم أن دموعَنا يجب أن تتحوّل إلى صحوةِ ضمير؟

أيها المسؤولون، أيها السادة… الحزنُ لا يكفي، والرثاءُ لا يُجدي إن لم يتحوّل إلى فعل. كم من حادثةٍ نحتاج؟ كم من روحٍ يجب أن تُزهق، حتى تُدركوا أن حماية أرواحِ الناس ليست منّة، بل واجبٌ وحق؟

 

فلتكن هذه الفاجعة ناقوسَ خطرٍ يدوّي في أذانِ كلِّ مسؤول، وصرخةَ ضميرٍ في قلبِ كلِّ من يحملُ ذرةَ إنسانية. وليكن رحيلُ بناتِ كفر السنابسة آخرَ الأوجاع، لا بدايةَ سلسلةٍ لا تنتهي.

 

ختامًا، لا نملكُ إلا أن نقول:

"إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ".

رحمكنَّ الله يا بناتَ النور، وجعلَ مثواكنَّ الجنة، وألهمنا وإياكم صبرًا على ما لا طاقةَ لنا به… وستبقى الحكاية محفورةً في ذاكرةِ الوطن، شاهدةً على أن الكادحين هم أنقى وأطهر من مرُّوا على هذه الأرض.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى