add image adstop
News photo

قاموس أحمد باشا كمال... معركة الكلمة ضد مقصلة النسيان

 

بقلم د/سماح عزازي

 

في كل أمة، هناك معارك تُخاض بالسلاح، وأخرى تُخاض بالكلمة… أما أخطرها، فهي تلك التي تُخاض من أجل الذاكرة، من أجل الحق في أن تعرف ذاتك، أن تقرأ تاريخك بلغتك، أن تنطق جدران معابدك بأصواتك، لا بأصوات الغريب.

 

هذه ليست حكاية رجل فحسب، بل حكاية وطنٍ حاولوا أن يسلبوه لغته، أن يسرقوا مفاتيح معابده، وأن يتركوا أبناءه واقفين أمام الجدران، عُميانًا أمام نقوش لا يفهمونها، بينما يُفسّرها لهم مستشرقون، ويُعيدون صياغة ذاكرته بما يشاؤون.

 

في أواخر القرن التاسع عشر، وفي زمنٍ كانت مصر ترزح تحت وطأة الاحتلال، ومعه احتلال من نوعٍ آخر... احتلال المعرفة، واحتكار تفسير الماضي، وقف رجل واحد في وجه العاصفة، اسمه أحمد باشا كمال. لم يكن يحمل سيفًا، بل حمل قلمًا، وحلمًا، وإيمانًا بأن للأمم الحق في أن تقرأ تاريخها بأيديها.

 

قرر أن يصنع معجزة… أن يكتب أول قاموس شامل للغة المصرية القديمة، من الهيروغليفية إلى العربية، ليكسر احتكار المستشرقين، ويعيد لمصر لسانها المفقود.

 

لكنه ما كان يعلم أن معركته ستكون أشرس مما تصور، ليست فقط مع الاحتلال، بل مع وطنٍ تخاذلت مؤسساته، وخذلته بيروقراطيته، وتواطأ صمته مع الزمن.

 

هذه ليست سيرة قاموس فقط… بل سيرة معركة ضد التجاهل، ضد النسيان، ضد خيانة الذاكرة.

هذه قصة القاموس الذي ظلّ مخنوقًا في الأدراج قرنًا كاملاً، قبل أن يُبعث من الموت، كأنما ليقول للعالم:

 

 "إذا كانت الحجارة قد صمتت ألفي عام… فإن الكلمة لا تموت."

 

حين تتحول المعرفة إلى معركة بقاء

في عالمٍ تُنهب فيه الحضارات كما تُنهب الأرض، وتُسرق فيه الذاكرة كما تُستباح الثروات، تصبح الكلمة سلاحًا، والمعرفة جبهة قتال لا تقلّ شراسة عن ساحات المعارك.

هذه ليست قصة قاموس عادي، بل حكاية معركة عمرها أكثر من قرن؛ معركة رجل مصري، وقف وحده في وجه آلة استعمارية معرفية، تقرر أن تبقي أبناء الفراعنة غرباء عن لغتهم، وعميانًا أمام جدران معابد أجدادهم.

 

إنها حكاية "أحمد باشا كمال"، الرجل الذي قرر أن يعيد لمصر لسانها القديم، أن يفكّ أسر التاريخ من سجن المستشرقين، وأن يكتب أول قاموس شامل للغة المصرية القديمة، بالعربية، ولأبناء مصر… لكنه وجد نفسه في معركة ليست ضد الجهل وحده، بل ضد الإهمال، وضد مؤسسات وطنه نفسه.

 

 الحلم... حين قرر أن تنطق الحجارة

ولد أحمد باشا كمال عام 1851، في حي الجمالية بالقاهرة، في زمن كانت فيه مصر تتأرجح بين إرث محمد علي وسطوة الاستعمار البريطاني الزاحف.

في شبابه، التحق بالمدرسة الخديوية، ودرس اللغات: العربية، الفرنسية، الإنجليزية، القبطية، واليونانية، لكنه وجد شغفه الحقيقي في لغةٍ أخرى… لغة الأجداد، التي تملأ الجدران، لكنها صامتة، لا يفهمها أحد من أبناء الأرض.

 

لم يكن هناك كتاب، ولا قاموس، ولا مرجع واحد بالعربية لفكّ طلاسم الهيروغليفية. كل شيء محجوز في خزائن الفرنسيين والألمان والإنجليز.

 

أدرك أحمد كمال مبكرًا أن معركة الاستقلال ليست فقط مدافع ضد الاحتلال، بل أيضًا مدافع ضد الجهل... ضد أن تكون أسيرًا لحروف غيرك لفهم تاريخك.

 

صناعة القاموس... حبرٌ فوق الحجارة

بدأ المشروع الجنوني: أن يجمع كل الكلمات، كل الرموز، كل المعاني.

كان يجوب المعابد: سقارة، دهشور، الأقصر، الكرنك، وادي الملوك، الفيوم.

يرسم النقوش بيديه، ينقلها بدقة متناهية، يراجعها مع ما هو محفوظ في متاحف باريس وبرلين ولندن.

 

_ لم تكن هناك آلات تصوير دقيقة.

_ لم تكن هناك برامج حاسوبية لتحليل النقوش.

_ كان كل شيء مرهونًا بعينه، ويده، وذاكرته.

 

بنى قواعد لغوية للهيروغليفية بالعربية، وضع مقابلات دقيقة للكلمات، شرح سياقاتها الدينية، والسياسية، والاجتماعية.

 

 الصدمة... حين خذلت الدولة عالمها

حين اكتمل العمل، تقدم أحمد باشا كمال بطلب رسمي إلى وزارة المعارف، بطباعة القاموس على نفقة الدولة... فجاء الرد صادمًا:

 

 "لا جدوى من هذا العمل، فهو غير نافع لعامة الناس."

 

الجامعة المصرية الوليدة (جامعة القاهرة لاحقًا) تجاهلت المشروع، ولم تعر له اهتمامًا.

حتى مصلحة الآثار التي أفنى عمره فيها، لم تسانده.

 

في لحظة مريرة، قرر أن ينفق من ماله الخاص لطباعة أجزاء من القاموس، لكن دون قدرة على توزيعها، ولا جهة تتبنى المشروع.

 

القاموس يُدفن مع صاحبه

عام 1923، رحل أحمد باشا كمال، وفي بيته مخطوطات القاموس، وحلم لم يكتمل.

توزعت الأوراق بين مكتبته الخاصة، ومكتبة المتحف المصري، وبعضها ضاع، وبعضها بقي حبيس الأدراج.

 

لم تُخصص أي مؤسسة علمية لاستكمال عمله، ولم تُطبَع بقية الأجزاء، وظل القاموس صامتًا... كما صمتت معابد أجداده ألفي عام.

 

البعث من الموت... النشر في 2002

ثمانون عامًا كاملة بعد رحيله، وفي عام 2002، انتصرت إرادة الأسرة أخيرًا، فأخرجت القاموس من بين أنقاض الإهمال.

نُشر القاموس رسميًا تحت عنوان:

 

 "قاموس اللغة المصرية القديمة... من الهيروغليفية إلى العربية والفرنسية"

 

يضم آلاف المفردات، والرموز، مع شروح ثقافية وحضارية شاملة.

لكنه نُشر في دوائر ضيقة، بين الجامعات وبعض الباحثين... دون احتفاء يليق، ودون أن تتبناه الدولة كجزء من مناهجها التعليمية، أو مشروع ثقافي قومي.

 

 مكتبة الإسكندرية... لحظة الوفاء المتأخر (2020)

في عام 2020، قامت أسرة أحمد باشا كمال، في لفتة تاريخية، بإهداء نسخة أصلية من القاموس إلى مكتبة الإسكندرية الجديدة.

 

تصريحات الأسرة وقتها حملت ألمًا عميقًا ممزوجًا بفخر:

 

 "نهدي هذا العمل لأجيال لم تعِ حتى الآن أن جدّها كتب أول قاموس للهوية المصرية."

 

مكتبة الإسكندرية بدورها احتفت به، وأدرجته ضمن مقتنياتها النادرة، كوثيقة حضارية من الدرجة الأولى، لكنها لحظة تأخرت قرنًا كاملًا.

 

 أين القاموس اليوم؟

محفوظ في مكتبة الإسكندرية، مكتبة المتحف المصري، وبعض الجامعات.

 

لا يوجد حتى الآن نسخة رقمية متاحة للجمهور.

 

لم يدرج في مناهج علم المصريات بالجامعات العربية بشكل رسمي.

 

لا تزال الأجيال الجديدة تجهل وجوده.

 

ماذا لو؟... السؤال الذي يجلد الذاكرة

 

ماذا لو طُبع القاموس عام 1900؟

 

هل كانت مصر ستنتظر المستشرقين ليشرحوا لها معابدها؟

 

هل كنا سنظل ندرس علم المصريات بمنهج غربي بالكامل؟

 

لو طُبع مبكرًا، لربما أصبحت مصر رائدة علم المصريات عالميًا، ولكان أبناءها هم الذين يُدرّسون للعالم لغتهم، لا العكس.

 

 شهادة على خيانة الذاكرة الوطنية

إن قاموس أحمد باشا كمال ليس مجرد كتاب، بل مرآة لوجه أمة… مرآة تعكس الوجه البهي لرجلٍ حمل الكلمة سلاحًا، وعاش عمره مدافعًا عن حق وطنه في أن يفهم نفسه.

 

وفي ذات المرآة، ينعكس الوجه الآخر... وجه مؤسسات أغلقت أبوابها، وخذلت علمائها، وأسكتت أصواتهم، لترى تاريخها يُكتَب بأقلام غيرها، وتُقرأ حضارتها بلغات لا يفهمها أهلها.

 

لكن القاموس عاد... بجهد الأسرة... بعد قرن من الموت.

عاد ليقول:

 

 "إذا صمتت الحجارة ألفي عام... فإن الكلمة لا تموت أبداً."

 

 "شهادة على ذاكرة تخون… وأمة تبحث عن صوتها"

عندما نُشر قاموس أحمد باشا كمال أخيرًا، في عام 2002، ثم دخل مكتبة الإسكندرية في 2020، لم يكن الأمر مجرد إهداء ورقي لمكتبة، بل كان اعترافًا مؤلمًا متأخرًا… اعترافًا بأن مصر، بكل مجدها، بكل علمائها، بكل وزاراتها، فشلت قرنًا كاملاً في إنصاف رجل حمل على عاتقه أن يعيد لها صوتها المفقود.

 

هذا القاموس، هو أكثر من كتاب… إنه مرآة لضمير أمة.

مرآة تعكس وجه أحمد باشا كمال، الرجل الذي قاتل بالحرف كما يقاتل الجنود في الخنادق. ومرآة تعكس في المقابل، وجه الخذلان، وجه البيروقراطية العقيمة، وجه النُخب التي فضّلت أن تستورد المعرفة بدلاً من أن تصنعها، ورضيت أن تكون ضيفًا على تاريخها، بدل أن تكون مالكه وراويه.

 

لو كان هذا القاموس نُشر حين أكمله صاحبه، لكانت مصر اليوم في موقع مختلف في علم المصريات، بل في قيادة علم قراءة الحضارات القديمة عالميًا. لكنه، مثل كثير من العقول النادرة، كُتب عليه أن يولد مبكرًا على زمنه، وأن يُدفن مع صاحبه، قبل أن يُبعث بعد موته بعقود.

 

لكن... رغم كل هذا، لم يكن الموت نهاية.

ظل القاموس يقاوم، مثلما تقاوم الأحجار الرياح في معابد الكرنك وسقارة ودهشور. ظل صامدًا في ذاكرة الأسرة، وفي الأوراق الصفراء التي قاومت الحريق والرطوبة والإهمال، حتى جاء يوم خرج فيه إلى النور، شاهداً لا على ماضي مصر فقط، بل على حاضرها الثقافي، بكل جراحه وآماله.

 

اليوم، هذا القاموس لا يجب أن يكون فقط حكاية تُروى، بل مشروعًا يُستكمل، ومسؤولية تُحمل على عاتق الأجيال. يجب أن يتحول إلى كتاب مدرسي، إلى منصة رقمية، إلى منهج وطني، إلى فيلم وثائقي، إلى سلسلة تعليمية تقول لكل طفل مصري:

 

 "هذه لغتك، هذا تاريخك، هذا صوت أجدادك… فاكتب، وانطق، ولا تسمح لصوتك أن يُسرق مرة أخرى."

 

 هنا أحمد باشا كمال… وهنا مصر… وهنا معركة لا تزال مستمرة لا تنتهي .

 

 المصادر والتوثيق:

مكتبة الإسكندرية – قسم المقتنيات النادرة.

 

أرشيف وزارة السياحة والآثار المصرية.

 

أرشيف الأهرام – أعداد (2002، 2020).

 

مقابلات منشورة مع أحفاد أحمد باشا كمال.

 

الهيئة العامة للاستعلامات – ملف أعلام مصر.

 

كتاب "تاريخ علم المصريات" – د. سليم حسن – الهيئة العامة للكتاب.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى