بقلم / سماح إبراهيم
في حياة الشعوب، هناك لحظات لا تُقاس بالزمن، بل بتأثيرها العميق في الوعي الجمعي، وثورة 30 يونيو 2013 كانت من هذه اللحظات. يوم خرج المصريون بملايينهم، لا بحثًا عن خبز أو شعارات، بل دفاعًا عن هوية وطن شعروا أنه يُنتزع منهم، فكتبوا قصة ستظل محفورة في سطور التاريخ، لا ينساها المصريون مهما مر الزمن.
من يناير إلى يونيو: الحلم الذي انكسر
بدأت الحكاية مع ثورة 25 يناير 2011، التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، لتفتح باب الأمل نحو بناء دولة ديمقراطية حديثة. وفي أول انتخابات رئاسية بعد الثورة، فاز محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان المسلمين، وسط انقسام شعبي واضح.
لكن سرعان ما بدأ الشعور بالخيبة يتسلل إلى الشارع. بدت مؤسسات الدولة تُختزل لصالح الجماعة، وظهرت بوادر "أخونة" الوزارات، مع قرارات رئاسية مثيرة للجدل، أبرزها الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012 الذي منح مرسي سلطات مطلقة. بالتزامن، تدهور الاقتصاد، وازدادت الأزمات اليومية، وفقد المواطن البسيط ثقته في القادم.
تمرد.. الشرارة الأولى لثورة جديدة
وسط هذا المناخ المحتقن، انطلقت حركة "تمرد"، وجمعت أكثر من 22 مليون توقيع للمطالبة بسحب الثقة من مرسي، والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة. لم تكن مجرد حملة توقيعات، بل نداءً عارمًا للتغيير، ومقدمة لما أصبح لاحقًا ثورة 30 يونيو.
30 يونيو.. يوم كتب فيه الشعب مصيره
في ذلك اليوم، خرجت مصر عن بكرة أبيها. الملايين احتشدوا في الميادين والشوارع، من القاهرة إلى الإسكندرية، ومن الصعيد إلى الدلتا، في مشهد وصفه مراقبون بأنه الأعظم في تاريخ البلاد. لم تفرّقهم طبقة أو انتماء، فالجميع هتف بصوت واحد: "ارحل".
كانت هذه الحشود نواة ثورة 30 يونيو، ثورة شعبية سلمية أعادت الروح لميدان التحرير، وأثبتت أن الشعوب قادرة على تصحيح المسار حين تنحرف البوصلة.
الجيش يتدخل.. لحظة الحسم
في 1 يوليو، أصدرت القوات المسلحة بيانًا أمهلت فيه القوى السياسية 48 ساعة للاستجابة لمطالب الشعب. ومع انتهاء المهلة ورفض الرئيس مرسي إجراء انتخابات مبكرة، أعلن الفريق أول عبدالفتاح السيسي، في 3 يوليو، خارطة طريق تضمنت:
عزل محمد مرسي من الحكم.
تكليف المستشار عدلي منصور برئاسة مؤقتة.
تشكيل حكومة كفاءات وطنية.
تعديل الدستور، ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.
ثورة أم انقلاب؟.. والانقسام مستمر
منذ لحظة الإعلان، انقسمت الآراء:
فمن اعتبرها ثورة شعبية أنقذت الدولة من حكم عقائدي يُهدد مدنية مصر،
إلى من رأى فيها انقلابًا على رئيس منتخب، وتراجعًا عن مسار الديمقراطية.
لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها، أن ما جرى في 30 يونيو كان ثورة شعبية عارمة، غيّرت وجه مصر السياسي، وأعادت ترتيب الأولويات الوطنية.
ما بعد الثورة.. مسار جديد للدولة
أعقبت ثورة 30 يونيو مرحلة انتقالية أعادت صياغة المشهد السياسي والدستوري، وأُجريت تعديلات جوهرية على الدستور، وانتُخب عبدالفتاح السيسي رئيسًا للجمهورية في 2014. انطلقت مشروعات قومية وتنموية كبرى، وبدأت الدولة مرحلة جديدة من البناء، وسط تحديات داخلية وخارجية مستمرة.
ثورة 30 يونيو ليست مجرد لحظة غضب، بل كانت لحظة وعي. وعي شعب قرر أن ينقذ بلده من مستقبل مجهول، وأن يكتب فصلاً جديدًا في تاريخه بإرادته الحرة.
قد تختلف الآراء حول التوصيف، لكن لا يختلف اثنان على أن هذا اليوم غيّر مصر... وسيظل محفورًا في ذاكرة الأجيال القادمة، كـ قصة شعب لن ينساها المصريون.
التعليقات الأخيرة