add image adstop
News photo

خرائط بلا روح

 

 

بقلم د/سماح عزازي

 

في عالم تتسارع فيه التحوّلات الدولية، ويُعاد فيه تشكيل النفوذ عبر أدوات ناعمة وأخرى صلبة، تقف الخرائط كأصدق الشهود على تحوّلات التاريخ وصراعات الجغرافيا. لا تعبر الخرائط اليوم عن واقع الشعوب فحسب، بل تكشف ما يُخطّط لها من فوقها، وما يُدبَّر في صمتٍ خلف أسوار التحالفات، والمؤتمرات، والصفقات العابرة للضمير. وفي هذا السياق العربي المأزوم، تتكلم الخرائط بلا لغة، وتبكي الروح في صمتها الموحش.

 

في زمنٍ كثرت فيه المؤتمرات وقلّ فيه الضمير، وتعددت فيه الخرائط وتلاشت منها الأرواح، يقف الوطن العربي على ركام حلم اسمه "الوحدة"، منهكًا من حروب الداخل، مثقلاً بخيبات الخارج، باحثًا عن ملامحه التي ذابت تحت وقع التطبيع والانقسام والتبعية.

 

لقد صارت خريطة العالم العربي، من المحيط إلى الخليج، مجرد مساحة مرسومة على الورق، لا يجمع بين أطرافها غير التسمية. كل دولة في وادٍ، وكل شعب يئن تحت وطأة همّه الخاص. لم تعد فلسطين هي القضية، ولا العراق هو القلب النابض، ولا سوريا هي بوابة الشرق. حتى "العروبة" ذاتها، أصبحت تُتداول في المناسبات كتحف لفظية لا روح فيها، وكسلع رائجة في خطابات المناسبات الرسمية[^1].

 

في الماضي القريب، كان العدو واضحًا، والخيانة معروفة الوجه والاسم. أما اليوم، فقد اختلطت الأوراق، وأصبح العدو شريكًا في الاستثمار، والخيانة وجهة نظر سيادية. يُوقَّع على الاتفاقيات باسم "السلام"، ويُداس فيها على القيم باسم "السيادة الوطنية"، وتُفتح الأبواب في العواصم لاستقبال الاحتلال بثياب البروتوكول، بينما تُغلق في وجه المقاومة بحجة الإرهاب[^2].

 

لقد صارت "الروح" مفقودة من الخرائط، لأن الروح لا تسكن في الأرض فحسب، بل في المعنى، في الموقف، في المبدأ، في الذاكرة. وما فائدة الأرض إن كانت بلا هوية؟ وما نفع السيادة إن كانت مرهونة للخارج، وخائفة من الداخل، وعاجزة عن مجرد الإدانة؟!

 

لقد تكسّرت البوصلة، فلا الشمال هو القدس، ولا الجنوب هو المقاومة، ولا الشرق ولا الغرب يملكان حلاً لمن لا يملك قراره. أصبحت الأنظمة رهينة التحالفات، والمصالح، والموازنات الدقيقة التي لا تنحاز إلا للكرسي، ولا تُراعي إلا رضاء القوى الكبرى[^3].

 

ما يجري اليوم ليس مجرد "تطبيع" سياسي، بل هو مسخٌ ثقافي وروحي يُعاد فيه تشكيل وعي الأجيال الجديدة. يُراد لأطفال الأمة أن يكبروا دون أن يعرفوا أسماء شهدائهم، أو خريطة بلادهم، أو العدو الذي كان. يُراد لهم أن يظنوا أن التاريخ يبدأ من نشرات الأخبار وينتهي عند حدود الفيزا والصفقات.

 

لكنّ الشعوب، مهما أُرهقت، تملك ذاكرة لا تموت، وقلبًا لا يشيخ. والتاريخ علّمنا أن الموازين وإن اختلّت يومًا، تعود إلى نصابها حين تنهض الإرادة من تحت الركام. وأن الخريطة، مهما بدا شكلها ثابتًا، لا تكتمل إلا بالروح.

 

في زمن الخرائط الباهتة، لا نملك إلا أن نعيد السؤال إلى الواجهة: هل بقي في خرائطنا مكان للضمير؟ وهل آن أوان أن تُرسم حدودنا من جديد، لا بالحبر السياسي، بل بالدم العربي، والإرادة الحُرّة، والذاكرة التي لا تموت؟ إن الخرائط ليست مقدّسة، ولكن الأرواح التي تسكنها هي وحدها القادرة على بعث الحياة من رماد الغياب. وإلى أن تعود الروح... ستظلّ الخرائط صامتة، باهتة... بلا روح.

 

قد يسكن الجسد في رقعةٍ اسمها "وطن"، لكنّ الوطن الحقيقي يسكن في الضمير. فهل بقي في خرائطنا مكان للضمير؟

 

المراجع

[^1]: راجع أطروحات الوحدة العربية في أدبيات جمال عبد الناصر، وقرارات قمم الجامعة العربية بين 1945 و1990، لمعرفة التفاوت بين التنظير والممارسة.

[^2]: يمكن الرجوع إلى اتفاقيات التطبيع التي وُقعت في الأعوام 1979 (كامب ديفيد)، 1994 (وادي عربة)، و2020 (اتفاقيات إبراهام)، لفهم طبيعة التحول في الموقف العربي من الكيان الصهيوني.

[^3]: أنظر: خريطة التحالفات الإقليمية بعد 2011 في دراسات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، خاصة ما يتعلق بإعادة التموضع الإقليمي.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى