بقلم د/سماح عزازي
في مسرح الحياة، لا شيء يثبت كما هو. فكما تتبدّل الفصول، تتبدّل المجتمعات، وتغدو العادات التي كانت يومًا ما صلب الهوية، أثرًا بعد عين، تحلّ محلّها عادات أخرى، بعضها جاء بعباءة التحضّر، وبعضها تسلّل خلسة باسم الحداثة، حتى بات الإنسان معلقًا بين ماضٍ يتلاشى، وحاضر يتشكّل على عجل.
لم تعد الأشياء كما كانت؛ الأبواب التي كانت تُفتح بالسلام صارت تُغلق بالصمت، والبيوت التي كانت لا تُقفل إلا بعد مرور الجيران، صارت لا تعرف من ساكنيها إلا الأضواء. تغيرت المجالس، وغابت المجاذبات الودية، وصارت الشاشات مكان الوجوه، و"اللايك" بديلاً عن الابتسامة.
عادات تموت بصمت
كان الناس، في سالف الأيام، يتعاطفون بلا مقابل، ويتزاورون بلا مصلحة، يهنّئون في الفرح، ويقفون في العزاء صفًا واحدًا كأنّ القلوب تواثقت على النبض الواحد. أما اليوم، فقد أخذت الكثير من تلك العادات تتراجع، تنسحب بهدوء كمن يودّع دون ضجيج.
كم من عادة جميلة طواها النسيان؟ كصُبحية العروس، ولمة الأعياد، وجمعة الأسرة كل خميس حول مائدة واحدة! كلّها أشياء لم تكن تكلّفنا مالًا، لكنها كانت تغنينا روحيًا، وتغرس فينا الدفء والسكينة والانتماء.
مستجدّات تحلّ محلّ الدفء
جاءت مستحدثات العصر برقّتها البراقة، فانبهر بها الناس، دون أن يدركوا أنها تأخذ أكثر مما تُعطي. التكنولوجيا، رغم ما حملته من تيسير، سلبت منّا روح الاجتماع، واستبدلت بالأحاديث الحيّة رموزًا جامدة، وبالضحكة الحقيقية وجهًا أصفر يضحك على الشاشة.
الخصوصية أصبحت عزلة، والتقدم صار قطيعة، و"الحرية الفردية" تحوّلت عند البعض إلى غطاء للأنانية والتنصّل من الواجب. فهل نحن في عصر تطوّر، أم في زمن انقراض الفضائل؟
بين الأمس واليوم... مسافة وجدان
ليس الماضي مقدسًا لمجرد أنه ماضٍ، ولا الحاضر مذمومًا لأنه جديد، لكنّ الحكمة في أن نزن الأمور بميزان الروح لا بسطح الأحداث. فما أجمل أن نأخذ من الماضي أصالته، ومن الحاضر مرونته، لنُشكّل مجتمعًا لا ينسى جذوره، ولا يخجل من أصالته.
قال محمود درويش:
"الزمن لا يعود إلى الوراء، لكنّ القلب يُقيم في الذكرى."
الأمل في الوعي لا في العادة
رُبّ عادة وُلدت قديمًا وكانت ظلمًا، وأخرى نشأت حديثًا وكانت نورًا. فليس كل ما فات خيرًا، ولا كل ما أتى شرًّا. إنما العبرة بالجوهر، بما يُعلي من قيمة الإنسان، ويحفظ كرامته، ويُعزز تماسكه مع محيطه.
فلنُبقِ على ما يُجمّل الروح من عادات، ولنتخلَّ عما يجرّنا إلى التفكك والفراغ والتمثيل الاجتماعي البارد. ولنُعد للمجتمع إنسانيته، لا من خلال الشعارات، بل من خلال العلاقات الصادقة، والعودة إلى فطرة المحبة والاحترام.
من يُحيي ما اندثر؟
إنّ المجتمعات لا تموت فجأة، بل تُفرّغ من مضمونها ببطء. وإنّ العادات ليست مجرد أفعال نؤديها، بل هي مرآة لضمير الجماعة. فإمّا أن نحيا بأصالة تجمعنا وتُضيء دربنا، أو نذوب في مستحدثات تُخدّرنا حتى لا نعرف من نكون.
ولعلّ من أقدس المهمات في هذا العصر أن نُعيد بعث تلك العادات الطيبة التي ماتت من الإهمال، لا من العجز، وأن نُقاوم الزيف المتأنّق الذي يحتلّ عرش القيم.
فمن يُحيي ما اندثر؟
الجواب: الوعي... وحده الوعي.
يقول الجاحظ: "العادة طبيعة ثانية."
ويقول ابن خلدون: "إذا انقطع الأصل، ضعف الفرع."
وفي الأثر: "الناس على دين ملوكهم"، فليكن "ملكنا" اليوم هو العقل المستنير والوعي الصادق.
التعليقات الأخيرة