بقلم د/ سماح عزازي
في ليلٍ عادي كغيره من الليالي، وعلى طريق ريفي لا يمر به الضوء كثيرًا، كتب شاب مصري قصة بطولته بمدادٍ لا يمحوه الزمن. لم يحمل سيفًا، ولم يكن في معركة نظامية، لكنه خاض أعنف معارك الإنسان: معركة الضمير.
"شهاب عادل حسن" ـ ملازم بحري، ابن الرابعة والعشرين ـ لم يكن بطل فيلم، ولا نجمًا على الشاشات، بل شابٌ مصري من الطراز الذي يشبه تراب الوطن: صلب، نظيف، صامت، وعظيم.
عاد "شهاب" مساءً من محافظة بني سويف متجهًا إلى قريته ليقضي أيامًا قليلة مع أسرته. لم يكن يدري أن الله اختار له مهمة أعظم من كل المهمات، وأنه لن يصل إلى بيته هذه المرة، بل إلى السماء.
على الطريق، انقلبت سيارة وسقطت في مياه ترعة الإبراهيمية. لم تكن هناك صفارات إنذار، ولا سيارات إسعاف بعد، فقط المشهد الصادم أمام أعين المارة. لكن "شهاب" لم يكن من أولئك الذين يكتفون بالمشاهدة.
توقّف، ترجل من سيارته، اندفع نحو الماء، نزل بكامل ملابسه، حطم زجاج السيارة، وأنقذ الشاب المحاصر بالموت. رفعه من تحت الماء وسلمه للناس، لكنه لم يخرج بعدها.
رجله الشابة خانته فجأة، ربما تشنج عضلي، وربما إرهاق مفاجئ، لكن المؤكد أن الله شاء له أن يكون شهيد موقف، لا شهيد حرب. أن يُكتب اسمه في دفتر الأبطال الذين أنقذوا حياة دون أن يعرفوا اسم من أنقذوه.
"شهاب" لم يسأل: من هذا؟ ولم يقل: ما شأني؟
بل سارع بلا تفكير إلى حيث يكون الشرف، إلى حيث تُختبر الرجولة. لم يكن بانتظار مكافأة، ولا عدسات، ولا إشادة. فقط ضميره وُلد في تلك اللحظة واختار أن ينقذ نفسًا بشرية ولو كان الثمن حياته.
وفي الصباح التالي، عثر الغواصون على جثمانه الطاهر وقد سكن الماء، بينما صعدت روحه إلى ربٍ لا يضيع أجر المحسنين.
ما فعله "شهاب" ليس حادثًا عابرًا، بل درسًا كبيرًا. في زمنٍ امتلأت فيه الشاشات بالصخب والفراغ، يخرج لنا شاب بلا ضجيج ليعلّمنا أن البطولة ما زالت تعيش، وأن الشجاعة ليست كلمات، بل أفعال.
"شهاب" لم يكن نجمًا، لكنه صار شهابًا بالفعل، احترق لينير، واختفى ليُحيي معنىً كاد أن يُنسى في عالمنا: التضحية من أجل الآخر، حتى لو كان غريبًا.
هذه القصة ليست للبكاء، بل للتأمل. ليست فقط عن شاب بطل، بل عن أمة ما زالت تُنجب من يقدّمون أرواحهم حين تتعطّل الحسابات الباردة.
فلنرفع رأسنا بـ"شهاب"، ولنعلم أن هذا الوطن بخير ما دام فيه من يشبهه.
رحم الله الشهيد، وألهم أسرته الصبر، وكتب له في عليين مكانًا لا يناله إلا من طهرت قلوبهم وارتقت أرواحهم.
التعليقات الأخيرة