بقلم د/ سماح عزازي
ما عدتُ أكتب لمجرد البوح،
ولا لأن الكتابة هواية على هامش الحياة،
أنا أكتب...
لأني إن سكتُّ، متُّ من الداخل،
ولأني حين أُنطق القلم،
يتكلم نيابةً عن ألف وجعٍ في القلب.
أنا أكتب...
لأن في صدري وطنًا مخنوقًا،
وفي عيوني حكايات لا تُقال،
وفي صوتي غضبٌ من زمنٍ
صار فيه الحقُّ نكتة،
والكذبُ مذهبًا.
سأكتب...
لا لأن الحرف يُطرب،
بل لأن الصمت خيانة،
ولأن الحكايات تختنق في صدري
كأنينِ أمٍّ أُخذ منها وليدُها،
ولا عزاء إلا في الحبر.
... وسأكتب.
سأكتب...
لأن القمر لا يخشى الظلام،
ولأن الربيع يأتي،
حتى لو طال الشتاء واشتدّ الصقيع.
سأكتب...
عن طفلٍ يضحك رغم الفقر،
عن قلبٍ يحب رغم القسوة،
عن حلمٍ يمشي حافي القدمين
ولا يتوقّف.
سأكتب...
لأننا شعبٌ لا يموت،
وإن انكسر، يعود أقوى،
وإن خُذل، ينهض من رماده،
ويزرع في الخراب وردًا.
وسأكتب...
حتى يُصبح الحرف وطنًا،
والقصيدة رايةً
يرفعها من لا صوت له.
سأكتب...
عن فجرٍ لم يولد بعد،
لكنه يركض نحونا من خلف الغيم،
عن شموسٍ خجولة
تنتظر من يزيح عنها غبار الخيبة.
سأكتب...
عن الحالمين رغم الجراح،
عن العاشقين رغم الصدود،
عن الذين آمنوا أن الكلمة
تبني ما تهدمه السيوف.
سأكتب...
عن وطنٍ يتنفس في صدورنا
وإن جار الزمان عليه،
عن النيل وهو يهمس:
"لن أموت... ولو جفّت ضفافي من الدمع".
سأكتب...
لأن في كل ساحة خراب
طفلًا يرسم بيتًا وشجرة،
وفي كل صدرٍ موجوع
نبضًا يقول: "لسنا وحدنا".
سأكتب...
ولن أخجل من دمعي،
ولا من صوتي إذا ارتجف،
فالصادقون لا يُتقنون التمثيل،
والأحرار لا يبدّلون وجوههم.
سأكتب...
حتى تُثمر الحروف نورًا،
وتمتد القصائد جسرًا
بين من عاشوا،
ومن أرادوا الحياة.
وسأكتب...
حتى تصير كلماتي مثل الوصايا،
تُروى لمن يأتي بعدي
كي لا يضلّ الطريق.
سأكتب...
لأني آمنت أن القلم
ليس مجرّد أداة، بل رسول،
وأن الحرف حين يُولد من الصدق
يبقى حيًّا،. حتى بعد أن تُطوى الصفحات.
وسأكتب...
حتى آخر نبض،
وإن سقط الجسد،
ستبقى قصيدتي واقفة،
تشهد أني كنت هنا...
وأنني ما خُنت يومًا ما آمنتُ به.
التعليقات الأخيرة