كتب د. نادر على
في أعماق المياه الاستوائية الممتدة بين إندونيسيا وماليزيا والفلبين، يعيش شعب فريد من نوعه يُدعى "الباجاو" — قوم بحر يثيرون دهشة العلماء والطبيعة على حد سواء. فهم لا يعيشون بجوار البحر، بل يعيشون فيه، ويتنفسون نمط حياة لا يشبه أي حضارة بشرية أخرى.
أكثر من ألف عام في قلب المحيط
يمضي الباجاو حياتهم كلها متنقلين فوق سطح الماء، على متن قواربهم الصغيرة، أو في منازل خشبية مبنية على ركائز وسط البحر. لا يزرعون ولا يربّون المواشي، بل يعتمدون كليًا على صيد المأكولات البحرية مثل الأسماك، الحبار، الجمبري وسرطان البحر، ما يجبرهم على الغوص لساعات طويلة كل يوم في أعماق المحيط بحثًا عن الغذاء.
تضحية من أجل البقاء
الغوص المتكرر على أعماق تصل إلى 60 مترًا ليس بالأمر السهل، ولذلك يلجأ الباجاو إلى وسيلة صادمة وغير مألوفة: ثقب طبلة الأذن منذ سن الطفولة. هذه العملية تساعدهم على موازنة الضغط تحت الماء، لكنها تأتي بتكلفة عالية — ضعف في السمع، ومخاطر الإصابة بالتهاب الأذن. ومع ذلك، يعتبرونها تضحية لا بد منها من أجل الاستمرار في نمط حياتهم البحري الفريد.
معجزة بيولوجية مذهلة
الغموض الحقيقي لا يكمن فقط في قدرتهم على تحمل أعماق البحر، بل في اكتشاف علمي مذهل: الباجاو يمتلكون طحالًا أكبر بنسبة 50% من أي إنسان عادي. هذه الظاهرة، التي تُمكّنهم من تخزين المزيد من الأوكسجين في الدم، تُعتبر تكيفًا وراثيًا مع الغوص الحر، وهي موجودة لدى جميع أفراد القبيلة، حتى الأطفال الذين لم يغوصوا بعد!
تخيل أن جسدهم نفسه قد تطور عبر الأجيال ليتكيف مع البحر كما لو أنه وطنهم الأصلي، وهذا يجعلهم أول بشر "بحريين" بالمعنى الحرفي للكلمة.
في الختام
قصة شعب الباجاو ليست مجرد قصة قبيلة بدائية، بل هي ملحمة تطور مذهل، وتذكير بأن الإنسان قادر على التكيّف مع أقسى الظروف إذا ما تطلب البقاء ذلك. وبينما ننظر إلى البحر كحافة للعالم، يراه الباجاو كمنزل وأسلوب حياة، وربما هوية.
التعليقات الأخيرة