كتب / د. نادر على
حضارتنا العريقة، يا صديقي، لا تزال محل أنظار العالم بأسره، وكل يوم نكتشف جانباً جديداً من إبداع المصريين القدماء الذين وضعوا بصماتهم في كل زاوية من زوايا التاريخ. اليوم، أود أن أشاركك معلومة قد تكون لم تعرفها من قبل، تتعلق بفن النحت المصري الذي شغل العالم بأسره بجماله ودقته.
كلنا، أو ربما معظمنا، قد زار المتحف المصري أو أي من المتاحف الأخرى التي تحتفظ بآثارنا العظيمة. وفي أثناء تجوالك في أرجاء المتحف، ربما لفت انتباهك تمثال من تماثيل المصريين القدماء، خاصة تلك التي لا تبدو ملفتة للأنظار في البداية، ولكن عند التوقف أمامها تجد نفسك مشدوهاً بجمال التفاصيل ودقة النحت. ترى في بعض التماثيل تمثيلاً جماعياً لأفراد العائلة، حيث يظهر الرجل مع زوجته وأطفاله.
هنا قد يتساءل الكثيرون: لماذا كان المصري القديم يلون تماثيل الذكور بلون أغمق من الإناث؟
الأمر ليس محض صدفة، بل هو تفسير دقيق توصل إليه علماء المصريات. يوضح العلماء أن الذكور في مصر القديمة كانوا يعملون في الأعمال الشاقة وفي الهواء الطلق، تحت أشعة الشمس المباشرة، مما جعل لون بشرتهم يصبح أغمق نتيجة تعرضهم المستمر لأشعة الشمس. بينما كانت الإناث يقمن بالأعمال المنزلية التي لا تتطلب الخروج تحت الشمس، وبالتالي كان لون بشرتهن أفتح.
وكمثال على ذلك، تمثال "رع حتب ونفرت"، الذي يُعد من أشهر التماثيل في المتحف المصري، يظهر بوضوح أن زوجة "رع حتب" تم تلوينها بلون أفتح مقارنة به، مما يعكس هذا التمييز بين الأدوار الاجتماعية والطبيعية بين الذكور والإناث. وهناك أيضاً تمثال القزم "سنب" وعائلته الذي يتبع نفس المنهج في تلوين الشخصيات.
هذا التوجه لم يكن مقتصرًا على التماثيل فقط، بل كان واضحًا أيضًا في النقوش الجدارية والرسومات التي ظهرت في فترات مختلفة من التاريخ المصري القديم، بداية من الدولة القديمة، مروراً بالدولة الوسطى، وصولاً إلى الدولة الحديثة. هذا دليل آخر على أن المصريين القدماء كانوا مبدعين في كل شيء، حتى في أدق التفاصيل.
المصري القديم كان حريصاً على نقل الواقع بكل تفاصيله، محاولاً أن يظهره في صورة مثالية. حتى هذه التفاصيل الصغيرة مثل تباين اللون بين الذكور والإناث كانت تعكس حقيقة الحياة اليومية في ذلك الزمن. هذا الحرص على التفاصيل هو ما جعل فن النحت المصري القديم يُعتَبر من أروع وأدق الفنون في تاريخ الإنسانية.
التماثيل والنقوش التي تركها لنا المصريون القدماء لا تزال محل إعجاب ودراسة إلى اليوم. ورغم مرور آلاف السنين، تظل هذه القطع الأثرية شاهدة على براعة الفنان المصري وقدرته الفائقة على نقل تفاصيل الحياة كما هي، لتظل حية في ذاكرة
الأجيال القادمة.
التعليقات الأخيرة