بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله الذي جعل حب الوطن أمرا فطريا والصلاة والسلام على من ارسله الله تعالى رسولا ونبيا وعلى آله وصحابته والتابعين لهم في كل زمان ومكان، أما بعد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال كفى بالله شهيدا قال فأتني بالكفيل، قال كفى بالله كفيلا، قال صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت كفى بالله كفيلا.
فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت كفى بالله شهيدا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه، ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار، فقال والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه، قال هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه، قال فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشدا" رواه البخاري، وإن ذكر هذه القصة من أخبار السابقين في أداء الأمانة.
هو لأجل أن يقتفي سامعها وقارئها أثر الأمناء، ويتأسوا بهم، فيكونوا أمناء في جميع أمورهم وشئونهم، فالأمانة هي حمل ثقيل وكبير، أبت حملها السماوات، والأرض، والجبال، كل هذه المخلوقات الضخمة، القوية أبت، وأشفقت من حمل الأمانة، فتأمل وتصور، ثم تصور أنها تشفق السماوات، وتشفق الأرض، والجبال من حمل الأمانة، ويتقدم الإنسان القصير العمر، الضعيف الحول الذي تتحكم فيه الشهوات والرغبات ليحمل هذه الأمانة، وإن الأمانة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما فيما نقل عنه ابن جرير رحمه الله "هي الفرائض التي افترضها الله على عباده" وقال أبو العالية رحمه الله "هي ما أمروا به، وما نهوا عنه" فالأمانة ليست قاصرة على عبادة من العبادات، فهي أوامر ونواه، فمن ضيع حق الله، واعتدى على حدود الله.
أو وضيع الصلاة، ومنع الزكاة، ولم يحج وهو قادر إلى بيت الله فقد ضيع الأمانة، من وهبه الله أولادا فقصر في تربيتهم، وتعليمهم أمور دينهم، وما يجب عليهم فقد ضيع الأمانة، من رزقه الله مالا وصار ينفقه فيما حرم الله، ويشتري به ما حرم الله من أجهزة الدمار، والعار والنار فقد ضيع الأمانة، ومن استرعاه الله على رعية فصار يشتري لهم ما يفسد أخلاقهم، ويُضعف إيمانهم فقد ضيع الأمانة، من استأمنه الناس على أموالهم فأصبح يماطلهم بحقهم، ويأخذ منها بغير إذنهم فقد ضيع الأمانة، من كان يستدين أموال الآخرين فيؤخر حقوقهم، وهو قادر على سدادهم فقد ضيع الأمانة، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين يا رب العالمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبروالتقوى.
التعليقات الأخيرة