بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الأحد الموافق 1 سبتمبر 2024
إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله خير ما جزى نبيا من أنبيائه، فصلوات ربي وتسليماته عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى صحابته وآل بيته، وعلى من أحبهم إلى يوم الدين أما بعد، إن الخيانة أمر قبيح وجرمه عظيم لفداحة هذه الآفة وشناعتها وبشاعتها، توارثت الأجيال أقوالا وحكما وأمثالا للتحذير منها، ومن مغبة الوقوع فيها أو التلطخ بأوحالها، ويقول الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه " أكيس الكيس التقوى، وأحمق الحمق الفجور، وأصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة"
وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه "من ضيّع الأمانة ورضي بالخيانة، فقد تبرّأ من الديانة" وإن من أعظم الأمانة هو الأمانة التي تكون بين الرجل وزوجته فلا تفشي له سرا، ولا يطلع لها مخفيا، فقال صلى الله عليه وسلم " إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة هو الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ، ثم ينشر سرها " رواه مسلم، فيحرم على الزوج والزوجة أن ينشرا سرهما وما يجري بينهما من علاقات زوجية لغيرهما، ولو على سبيل المزاح، فقد سد الشارع الكريم هذا الباب، درءا لما قد يحصل فيه من شرور وفتن وبلايا ومحن، ألا وإن من أعظم الأمانة تلك الأمانة التي أنيطت بالقضاة والمعلمين من القيام بها أجمل قيام ورعايتها أعظم رعاية، فالخصوم أمانة في أعناق القضاة والطلاب أمانة في رقاب المعلمين.
فليرع كل أمانته وليحذر من الخيانة أو الغدر والنكوص على الأعقاب فالويل ثم الويل لمن فرط في أمانته، فاعدلوا بين الخصوم وارعوا حقوق الطلاب بكل صدق وأمانة فالأمر أخطر مما يتصور، وأفظع مما يتوقع، وهذا هو سلطان العلماء وبائع الأمراء العز بن عبدالسلام فإن حياة العز بن عبدالسلام زاخرة بالمواقف التي ينحني الزمان أمام عظمتها وروعتها، فلم تأخذه في الحق لومة لائم، ولم يخر له عزم، ولم تلن له قناة أمام التصدي لتراكمات وموروثات من الفساد في عصره، فإن العز بن عبدالسلام هو الذي تصدى بفتواه للخونة الذين كانوا يقومون ببيع السلاح للصليبيين في ذلك الوقت حيث إنهم كانوا لا يزالون يحتلون أجزاء من بلاد الشام، بعد أن ثبت عنده أن هذه الأسلحة يستخدمها الفرنج في محاربة المسلمين، وبالرغم أن هذه الفتوى ترتب عليها.
منعه من الفتوى ومنعه من الخطابة، فإنه لم يرضخ، ولم يتراجع، ولم يداهن، وهذا هو السلطان عبدالحميد الثاني فقد حاول "تيودور هرتزل" مساومةَ السلطان عبدالحميد وإغراءه بالمال مقابل أن يسمح لأفواج المهاجرين اليهود أن تسافر إلى فلسطين، والسماح لهم بإقامة مستوطنات بها، فما كان من السلطان عبدالحميد إلا أن ردّ ردّا حاسما ومزلزلا على هذا الطلب، وكتب رسالة قال فيها "انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض، ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوما، فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي.
فإن عمل المبضع في بدني لأهون عليّ من أن أرى فلسطين قد بُترت من دولة الخلافة، وهذا أمر لا يكون، إني لا أستطيع الموافقةَ على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة" ونتيجة لهذا الرفض القاطع تمت المؤامرات اليهودية ضد السلطان عبدالحميد، إلى أن تمكنوا من إستصدار أمر بعزل السلطان عبدالحميد، وإحاطته بحراسة مشددة، بعد أن جُرّد من كل ممتلكاته، إلى أن توفي في العاشر من فبراير لعام ألف وتسعمائة وثماني عشر عن عمر يناهز ست وسبعون عاما رحمه الله تعالي، وإن هذه الأمانة وعدم الانصياع لمطالب الخيانة، جعلت العلماء والمفكرين ورجال السياسة يمجدون السلطان عبدالحميد بأحرف من نور، ستظل باقية ما بقي الزمان.
ويقول جمال الدين الأفغاني في حق السلطان عبدالحميد "إن السلطان عبدالحميد لو وُزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر، لرجحهم ذكاء ودهاء وسياسة" وأنصفه البطريرك الماروني إلياس الحويك قائلا لقد عاش لبنان وعاشت طائفتنا المارونية بألف خير وطمأنينة في عهد السلطان عبدالحميد الثاني، ولا نعرف ماذا تخبئ لنا الأيام بعده، فهذه ما هي إلا نماذج من أناس عرفوا معنى الأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، والخير في هذه الأمة موصول إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
التعليقات الأخيرة