add image adstop
News photo

حكمة الصمت وتقدير الكلام

بقلم/سامي بوادي 

 

     مازلنا مع مجريات هذا الزمان وما كثر الشكوي منه وتألم القلب له ،زمنٍ تتسارع فيه الكلمات وتُهدر فيه الألفاظ دون تدبر أو تفكر، اوعزتنا فيه الحاجة لاستدعاء الحكمة القديمة لتعيد إلينا جوهر المعاني ورزانة الفكر. 

 

 قيل قديما "خير اللسان المخزون، وخير الكلام الموزون" هي عبارة تحمل في طياتها عمقًا فلسفيًا ونصحًا يُنبئ عن تجربة إنسانية عميقة. فبين طيات هذه الكلمات يتجلى الفن البلاغي، حيث يُعرض علينا الصمت كفضيلة، والكلام كميزان يُحسب عليه الوزن بدقة متناهية.

 

تتجلى الحكمة في مفهوم "اللسان المخزون"، وهو إشارة إلى قدرة الإنسان على ضبط لسانه وترويضه حتى لا ينطق إلا بما هو جدير بالقول، وما هو إلا نتيجة لتفكير وتأمل عميقين.

 

 ففي عالم تُرمى فيه الكلمات جزافًا، يُعدُّ التفكير قبل الكلام فرضا واجب ، فليس كل ما يُقال يستحق أن يُنطق، وليس كل ما يُفكر فيه يُعبر عنه بالفاظ سماعية. وفي هذا السياق ، يتبلور معنى الصمت، الذي هو ليس كحالة من الغياب أو الضعف ، بل كحالة من القوة المستمدة من العقل الواعي.

 

 هنا نجد هذا المفهوم دعوة صريحة إلى التدبر والاستماع أكثر من التسرع في الإفصاح 

 

من جهة أخرى، يأتي مفهوم "الكلام الموزون" ليُرينا أهمية الاتزان والاعتدال في النطق. فالكلام ليس مجرد أصوات تُلقى في الهواء، بل هو مرآة لعمق الفكر ومدى وعي صاحبه.

 

  وكما أن الميزان يُستخدم لضبط الأمور المادية، فكذلك يُستخدم العقل لضبط الكلمات حتى تخرج في أحسن صورة وبأقوى تأثير وفاعلية. 

 

    إن البلاغة الحقيقية تكمن في اختيار الكلمة المناسبة في الوقت المناسب، بأسلوبٍ يتناسب مع الموقف والشخص المخاطَب.

 

 لذا قيل ان"قلب الأحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه" وهي عبارة أخرى تعمق من فهمنا للعلاقة بين العقل واللسان. 

 

   والأحمق هنا هو الذي يُلقي بالكلمات دون تفكر أو تحسب، فكلما كان قلبه مفتوحًا على مصراعيه، تتدفق منه الكلمات بلا ضابط ولا رابط،يؤدي ذلك إلى كشف حقيقته وضعف فكره. 

 

بينما العاقل يحتفظ بلُبّ قلبه، يتفكر ويزن الأمور بعقله قبل أن ينطق. فتجد كلماته قليلة، لكنها مليئة بالمعاني، وحين يتحدث، يصيب الهدف ويترك أثرًا.

 

 وهنا تأتي اهم قاعدة وقانون اجتماعي لا غني عنه "إذا تم العقل نقص الكلام"، تلك المعادلة الحياتية هي خلاصة القول وجوهر الحكمة.

 

  فالعقل الراجح لا يحتاج إلى الإفراط في الكلام، لأنه يفهم أن الكلام الزائد قد يقود إلى الخطأ أو الندم. وان الصمت قد يصبح تعبيرًا عن نضج العقل وعمق الفكر ، وعن قدرة الإنسان على السيطرة على نفسه وإدراكه لموضع كل كلمة وأثرها.

 

في الختام ، نستطيع القول إن الحكمة في الصمت والكلام الموزون ليست مجرد نصائح عامة، بل هي دعائم أساسية لبناء شخصية قوية، متزنة، وواعية.

   لإن ضبط اللسان وتدبير الكلام هما انعكاس لعمق العقل ونضج الفكر. وفي عالم يفيض بالضجيج، تبقى الكلمة الموزونة والصمت الحكيم جواهر ثمينة تستحق البحث عنها والتمسك بها.

 

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى