بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الجمعة الموافق 26 يوليو 2024
الحمد لله على نعمة الصيام والقيام، وأحمد الله واشكره، فإليه المرجع وإليه المآب، واشهد أن لا إله إلا هو، ولقد جعل الله النهار والليل آية لأولي الألباب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد اتقوا الله ربكم حق تقاته، واشكروه على ما أنعم عليكم من النعم، واعبدوا واحمدوا الله، واعرفوا قدر النعم التي أنعمها الله عليكم، واحمده على منه عليكم بمواسم الخيرات والتي تتكرر كل عام، واستغلوا الشهر وتوبوا لله توبة نصوحا، ولا تموتن إلا وأنتم مؤمنون ثم أما بعد إنه ما عانت المجتمعات من المحن وانتشرت فيها الأزمات وتتابعت عليها الفتن إلا يوم ضاع الحياء، فارتكبت المحرمات وفعلت الرذيلة وأقصيت الفضيلة بدعوى الحضارة والتمدن، وهل ضيعت الصلاة وعطلت أحكام الدين إلا يوم قل الحياء من الله وابتعد الناس عن الدين؟ وهل تساهل الناس بصلاة الجماعة إلا يوم قل الحياء.
فقال صلى الله عليه وسلم "من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر " وهل وقع في المعصية ما وقع إلا يوم قل حياؤه من الله فاستهان به سبحانه حتى جعله أهون الناظرين إليه وهل ظهر الاختلاط بين الرجال والنساء، وانتشرت المعاكسات وعم الفساد، إلا حين كسرت المرأة حجابها ودفقت ماء حيائها وضاع من وجهها العفاف وخرجت إلى المنتزهات وتسكعت في الأسواق والطرقات، وأغرت ضعاف النفوس وعديمي الحياء والمروءة وأدمت قلوبهم فوقعوا في الجرائم والفواحش، وهل فقدت الغيرة من الرجال، فسمحوا لنسائهم من مشاهدة الأفلام الماجنة والمسلسلات الخليعة والوقوع في المحرمات من اختلاط بالخدم والباعة والخروج مع السائقين والسفلة إلا حين ضاع منهم الحياء وفشا فيهم ذهاب الغيرة، فالحياء خلق من أخلاق العظماء، وهو خُلق الإسلام الأول.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن لكل دين خُلقا، وخُلق الإسلام الحياء" والحياء خُلق يبعث على ترك القبيح، وعدم التقصير في حق الله، ومراقبته، وهو أن تخجل النفس من فعل كل ما يعيبها وينقص من قدرها ومروءتها، وهو من الأخلاق الرفيعة التي أمر بها الإسلام، وأقرها، ورغب فيها، وإذا كان الأمر كذلك وجب على كل مسلم أن يتخلق بهذا الخُلق في سائر حياته، فالحياء في النعمة شكر لله عليها، فاتقوا الله تعالى واشكروه على ما هداكم للإسلام، وجعلكم من أمة خير الأنام، عليه الصلاة والسلام، فقد دلكم على الأخلاق الفاضلة والسجايا الحميدة والصفات النبيلة جاءت تعاليمه وقيمُه، بالأمر في المحافظة على الأخلاق الحسنة في كل أحوال المسلمين صغيرها وكبيرها دقيقها وجليلها أفرادا ومجتمعات وأسرا وجماعات ويكفي للحث على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم.
" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " رواه البخاري، فإنه جميل أن يرزق المسلم قلبا رقيقا وجلا من ربه عز وجل، يتحسس أخطاءة وتقصيره في جنب الله سبحانه وتعالى ويتأسى على ما فرط منه في سابق أيامه وزمانه فذلك فإن علامة قبول، وأمارة فضل من الله عز وجل فقد أثنى الله سبحانه على من هذا حاله فقال عز وجل في سورة التوبة " الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين علي ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال، قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال " امسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابكي علي خطيئتك" رواه الترمذي، ولكن يمكن أن تنقلب هذه النعمة إلى نقمة أو خطيئة أخرى، إذا لم يراعي العبد أيضا ما أمر الله عز وجل به في حال الخوف وحال الرجاء وحال الطاعة والمعصية أيضا، فإذا تمكن اليأس والقنوط من القلب.
بسبب شدة الخوف، صار ذلك ذنبا جديدا، وإذا وقع العبد في سوء الظن بالله، أو بدأ يتقاعس عن العبادة والدعاء وانقطع رجاؤه من الله عز وجل، فليتأكد حينئذ أن الشيطان تمكن منه، ودخل إليه من باب جديد، والعاصم من جميع ذلك هو الاستقامة على الحال التي أثنى عليها الله في القرآن الكريم، وهي حال الخوف من الله من غير أن يؤول المقام إلى حد الوسواس أو الإحباط أو الاكتئاب عن كل أمل في حياة سعيدة في الدنيا والآخرة، وهذا فضلا عن أن سعة رحمة الله ولطفه بعباده اقتضت أن لا يحاسب ابن آدم حتى يبلغ سن الاحتلام وهو سن الخامسة عشرة أو هو السن الذي تظهر عليه علامات البلوغ ، من نبوت شعر العانة أو إنزال المني أو الحيض للنساء فكل ما يقع قبل هذا السن لا حساب عليه ولا عذاب، وإنما يؤاخذ به بين الناس تربية وتأديبا.
حيث قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتي يستيقظ وعن الصبي حتي يحتلم وعن المجنون حتي يفيق" رواه أبوداود، ومن الأخلاق الحسنة التي حث عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم خلق الحياء فالحياء من الله والحياء من الناس روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دعه فإن الحياء من الإيمان" متفق عليه وعن عمران ابن حصين رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحياء لا يأتي إلا بخير " متفق عليه، فمن قوي حياؤه صان عرضه ودفن مساوءه ونشر محاسنه وكان ذكره عند الناس محمودا وعند الله مرفوعا، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره وظهرت مساوئه ودُفنت محاسنه وكان عند الناس مهانا وعند الله ممقوتا.
التعليقات الأخيرة