كتب د. نادر على
في قلب ميدان التحرير، حيث تتقاطع ذاكرة القاهرة مع حاضرها، يقف قصر خيري باشا شامخًا كأحد أقدم المباني التاريخية في مصر، وركيزة أساسية في حكاية الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بعد رحلة امتدت لنحو 160 عامًا من التحولات المعمارية والثقافية والتعليمية.
شُيّد القصر عام 1870 بأمر من الخديوي إسماعيل ليكون منزلًا لأحمد خيري باشا، كاتم أسراره ووزير التعليم آنذاك، وهو ما منح المبنى اسمه ودلالته المبكرة على الارتباط بالتعليم. وتميز القصر منذ نشأته بطراز معماري فريد يعكس روح العصر، ليصبح لاحقًا أحد المعالم البارزة في وسط القاهرة.
بعد وفاة خيري باشا، انتقلت ملكية القصر إلى رجل الأعمال اليوناني نستور جناكليس، الذي استخدمه لفترة قصيرة كمصنع لإنتاج وتعبئة سجائر «هلمار»، قبل أن يعود القصر مرة أخرى إلى مساره التعليمي عام 1908 عندما استأجرته الجامعة المصرية، التي عُرفت لاحقًا باسم جامعة الملك فؤاد ثم جامعة القاهرة.
التحول الأهم في تاريخ القصر جاء عام 1919، حين اشتراه تشارلز واتسون، الرئيس المؤسس للجامعة الأمريكية بالقاهرة، بعد أن تخلّى عن فكرة إنشاء الجامعة بجوار أهرامات الجيزة، مفضلًا هذا الموقع الحيوي بوسط المدينة. وساعدت الظروف السياسية آنذاك، وعلى رأسها ثورة 1919 وما تبعها من انخفاض أسعار الأراضي، في إتمام عملية الشراء.
وفي 5 أكتوبر 1920، افتُتحت الكلية الأمريكية للفنون والعلوم بالحرم الجامعي الجديد، بحضور 142 طالبًا، بالتزامن مع أول عملية تجديد كبرى للقصر، شملت تعديلات داخلية لتناسب احتياجات الطلاب، من بينها تحويل الحمام التركي إلى مرافق حديثة.
ومع تزايد أعداد الطلاب، شهد القصر عمليات تطوير جديدة خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، أبرزها إضافة القاعة الشرقية وقاعة إيوارت التذكارية، ما أسهم في ترسيخ دوره كمركز ثقافي وتعليمي بارز في القاهرة.
وعلى مدار العقود التالية، احتضن القصر شخصيات عالمية وعربية بارزة، من أكاديميين وفنانين وساسة، بل وشهد محاضرات تاريخية، من بينها محاضرة ألقاها الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، حين كان المبنى مستخدمًا من قبل الجامعة المصرية.
ورغم التغيرات العمرانية والازدحام المتزايد الذي شهدته منطقة وسط البلد، ظل قصر خيري باشا محتفظًا بمكانته ورمزيته، مطلًا على ميدان التحرير كشاهـد حي على تاريخ المدينة.
واليوم، ومع أحدث عمليات التطوير، يواصل القصر مواكبة العصر، من خلال دمج التكنولوجيا الحديثة في أنظمة الصوت والإضاءة والعرض داخل قاعة إيوارت، مع الحفاظ على طرازه المعماري المملوكي الفريد.
قصر خيري باشا ليس مجرد مبنى تاريخي، بل ذاكرة حية لمسيرة التعليم والثقافة في مصر، وجسر يربط ماضي الجامعة الأمريكية بالقاهرة بحاضرها ومستقبلها، ليظل شاهدًا على التزام راسخ بالعلم والفكر في قلب العاصمة
التعليقات الأخيرة