قال الدكتور عبد الرحمن طه، خبير الاقتصادي الرقمي، إن إعلان تأسيس شركة QAI المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتابعة لجهاز قطر للاستثمار، يمثل خطوة استراتيجية تنقل قطر من مرحلة تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة امتلاك البنية والسيادة التقنية في أحد أسرع قطاعات الاقتصاد العالمي نموًا.
وأوضح طه أن توقيت إطلاق QAI يأتي بينما يشهد سوق الذكاء الاصطناعي العالمي قفزة تاريخية، حيث يُقدَّر حجمه بنحو 515 مليار دولار في 2025، مع توقعات بتجاوزه 1.8 إلى 2.2 تريليون دولار بحلول 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 20%، مدفوعًا بتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية، الطاقة، الدفاع، الرعاية الصحية، التمويل، وسلاسل الإمداد.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا تقنيًا منفصلًا، بل أصبح بنية تحتية اقتصادية، حيث تشير التقديرات إلى أن مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي العالمي قد تصل إلى 14–15 تريليون دولار بحلول 2030، أي ما يعادل إضافة اقتصاد بحجم الصين والاتحاد الأوروبي مجتمعين.
وأشار طه إلى أن قطر تتحرك من موقع قوة، مستندة إلى قاعدة مالية وسيادية صلبة، إذ يدير جهاز قطر للاستثمار أصولًا تتجاوز 475 مليار دولار، ما يمنحه قدرة فريدة على الاستثمار طويل الأجل في البنية التحتية العميقة للذكاء الاصطناعي، وليس فقط في التطبيقات السطحية أو الشركات الناشئة قصيرة العمر.
وأوضح أن أهداف QAI — كما تعكسها الرؤية المعلنة — تتقاطع مباشرة مع الاتجاهات العالمية الكبرى، حيث تشير الأرقام إلى أن الإنفاق العالمي على البنية التحتية الحاسوبية عالية الأداء (HPC) والحوسبة السحابية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تجاوز 250 مليار دولار سنويًا، ومن المتوقع أن يتضاعف خلال أقل من خمس سنوات مع سباق تدريب النماذج العملاقة.
وأكد طه أن تمكين المؤسسات من الوصول إلى قدرات حوسبية عالية الأداء يمثل عنصرًا حاسمًا، خصوصًا أن تكلفة تدريب نموذج ذكاء اصطناعي متقدم واحد قد تتراوح بين 50 و200 مليون دولار، وهو ما يجعل امتلاك منصات وطنية للحوسبة والبيانات مسألة سيادة اقتصادية، لا مجرد خيار تقني.
وفي السياق القطري، أوضح طه أن الذكاء الاصطناعي يُعد ركيزة أساسية في رؤية قطر الوطنية 2030، حيث تستهدف الدولة رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي والتكنولوجي إلى ما بين 6 و8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة، مقارنة بنحو 2–3% حاليًا، مدفوعة باستثمارات في الذكاء الاصطناعي، البيانات، والأمن السيبراني.
وأشار إلى أن منطقة الشرق الأوسط ككل يُتوقع أن تحصد ما يقارب 320 مليار دولار من القيمة المضافة للذكاء الاصطناعي بحلول 2030، فيما تسعى قطر إلى اقتناص موقع متقدم داخل هذه الخريطة، عبر بناء مركز تنافسي إقليمي للذكاء الاصطناعي والبيانات، لا يقتصر على الاستهلاك بل يشمل التطوير، التدريب، والتصدير المعرفي.
وأضاف طه أن تركيز QAI على الذكاء الاصطناعي المسؤول وعالي الأثر ينسجم مع التوجه العالمي، حيث تُظهر الدراسات أن أكثر من 70% من الحكومات تعمل حاليًا على أطر تنظيمية وأخلاقية للذكاء الاصطناعي، وأن الدول القادرة على الجمع بين الابتكار والحوكمة ستكون الأكثر جذبًا للاستثمارات والشراكات الدولية.
وختم طه تصريحه قائلًا:
“QAI ليست شركة تقنية تقليدية، بل أداة سيادية لإعادة تموضع قطر داخل الاقتصاد العالمي الجديد. نحن أمام انتقال من استثمار الفوائض المالية إلى استثمار في العقول، والخوارزميات، والبنية الحاسوبية. ومن يملك الذكاء الاصطناعي اليوم، يملك مفاتيح النمو والنفوذ في اقتصاد الغد.”
التعليقات الأخيرة