بقلم محمود عبد الظاهر
بِسْمِ اللَّه الْقَائِمِ عَلَىٰ كُلِّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَالْمُجَازِي لَهَا بِمَا عَمِلَتْ وَصَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ عَلَىٰ مَنْ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ" وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَىٰ دَرْبِهِ وَتَمَسَّكَ بِسُنَّتِهِ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ آمِينَ. وَبَعْدُ: سَأَحاوَلُ فِي مَقَالِي هَذَا الْتَّحَدَّثُ بِلِسَانِ الْوَاقِعِ الَّذِي أَصْبَحْنَا نَعِيشُهُ الْيَوْمَ، ومِنَ الْمَشَاهِدِ الْمُؤْسِفَةِ الَّتِي أَصْبَحْتُ أَرَاهَا فِي مُجْتَمَعَاتِنَا : النَّظْرَةُ الْمُحْبِطَةُ لِمُرْتَكِبِي الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي.
وَهَذَا أَمْرٌ خَطير وَتدْخُلُ فِي قَانُونِ الْإِلَهِ الْخَالِقِ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ.
تَوْضِيحٌ لِمَا سَبَقَ مِثَالًا مِنَ الْوَاقِعِ : كَانَ أَحَدُ الْأَشْخَاصِ يَفْعَلُ ذَنْبًا، وَلَكِنَّهُ لَا يُضِيعُ صَلَاةً، وَلَا يَغْتَابُ أَحَدًا، وَلَا يَسْرِقُ مَالًا لَيْسَ لَهُ الْحَقُّ فِيهِ، وَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا. فَقَالَ لَهُ شَخْصٌ آخَرُ: "لَا قِيمَةَ لِصَلَاتِكَ".
وَلَكِنْ كَيْفَ لَا قِيمَةَ لِصَلَاتِهِ؟
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَاءَ إِلَيْهِ صَحَابِيٌّ قَائِلًا: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، فُلَانٌ يَفْعَلُ الْمَعَاصِيَ وَالذُّنُوبَ وَلَكِنَّهُ يُصَلِّي"، فَقَالَ لَهُ الْحَبِيبُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ستنهاهُ صلاتهُ يومًا ''
فَكَيْفَ تَقُولُ لَهُ: "لَا قِيمَةَ لِصَلَاتِكَ"؟
أَتُرِيدُ أَنْ تُقَطِّعَ الْوِصْلَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ؟
أم تُرِيدُ أَنْ تُعِينَ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِ؟
أَمْ تُرِيدُ أَنْ تُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ
إِنْ كُنْتَ تَدْرِي أَو لَا تَدْرِي؟
لَا يَحِقُّ لَكَ أَنْ تَنْهَىٰ عَبْدًا عَنْ قُرْبِهِ بِرَبِّهِ.
قَالَ تَعَالَىٰ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ" (سورة العلَقِ: 19)، أَيْ مِنْ شُرُوطِ الْإِقْتِرَابِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَىٰ السُّجُودُ. أَسْجُدْ فَمَنْ سَجَدَ وَجَدَ. إِضَافَةٌ قِيمَةٌ: أَهَمِّيَّةُ الْتَّوَازُنِ بَيْنَ النَّصِيحَةِ وَالتَّشْجِيعِ فِي هَذَا السَّيْرِ الْوَاقِعِيِّ، يَذْكُرُنَا الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ طَقْسٍ، بَلْ هِيَ سَيْفٌ مَاضٍ يَقْطَعُ سِلْسِلَةَ الْمَعَاصِي تَدْرِيجِيًّا. وَكَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (فَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ)، فَالسُّجُودُ لَيْسَ فَعْلًا عَابِرًا، بَلْ هُوَ بَابُ الْقُرْب الْإِلَهِيِّ الَّذِي يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْغُفْرَانِ وَالْهُدَىٰ.
إِنَّ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ خَطْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ نَفْسَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (سورة الزُّمَرِ: 53). فَلْتَكُنْ نَصِيحَتُنَا جِسْرًا لِلتَّوْبَةِ، لَيْسَ سَدًّا لِلْعَوْدَةِ إِلَى اللَّهِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: كُونُوا رُحَمَاءَ مُلْهِمِينَ نَافِعِينَ. مَا دَامَ الْإِنْسَانُ يَحْمِلُ بَدَاخِلِهِ الْخَيْرَ لِجَمِيعِ النَّاسِ، سيجد الخير بإذن الله
تَأَكَّدُوا أَنَّ اللَّهَ لَنْ يُخْذِلَ أَحَدًا. الْحَيَاةُ قَاسِيَةٌ جِدًّا عَلَى الْجَمِيعِ، كُلُّنَا نَحْمِلُ هُمُومًا مُخْتَلِفَةً وَابْتِلَاءَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، فَلْيَكُنِ الْإِنْسَانُ طَيِّبًا لَا مُؤْذِيًا. مَهْمَا كُنَّا نُقْصِرُ فِي حَقِّ اللَّهِ، يَجِبُ عَلَيْنَا أَلَّا نَيْأَسَ وَأَنْ نَسْعَىٰ لِلتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ. فَالْحَيَاةُ أَصْبَحَتْ وَنَحْنُ فِيهَا، وَغَدًا قَدْ نَتْرُكُهَا، وَحِينَئِذٍ نَتَمَنَّىٰ لَوْ أَرْجَعَنَا اللَّهُ لِكَيْ نَعْمَلَ صَالِحًا أَوْ نُصْلِحَ خَطْأً.
لَدَيْنَا فُرَصٌ عَظِيمَةٌ قَدْ يَرَاهَا الْبَعْضُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّنَا مَا دُمْنَا نَحْمِلُ الْخَيْرَ نَحْنُ بِخَيْرٍ. وَمَنْ نَظَرَ إِلَيْنَا بِعَيْنِ التَّقْدِيرِ وَالْفَهْمِ حَمَلْنَاهُ فَوْقَ رُءُوسِنَا، وَمَنْ أَرَادَ سُقُوطَنَا قُلْنَا لَهُ: لَنْ نَسْقُطَ لِأَنَّ اللَّهَ مَعَنَا.
الْخَيْرُ يَبْنِي وَالْيَأْسُ يَهْدِمُ يُذَكِّرُنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِأَنَّ الْخَلْقَ خُلِقُوا لِلْعِبَادَةِ وَالْإِحْسَانِ، وَأَنَّ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ هُوَ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ الْأَكْبَرُ. فَكَمَا أَنْ الصَّدَقَةَ تَطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، فَكَذَلِكَ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ لِلْمُذْنِبِ تُنِيرُ دَرْبَهُ إِلَى التَّوْبَةِ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ سَلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ غَرَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَعْطَيْتُهُ"، فَلْنَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِعْطَاءِ بِالْكَلِمَةِ وَالْعَمَلِ، لِنَكُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَفَضِّلِ بِالْإِحْسَانِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَٰنِ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ وَالْهَادِي إِلَى صراطِكَ الْمُسْتَقِيمِ وعلى آلهِ حقَ قدرهِ ومقدارهِ العظيم .
التعليقات الأخيرة