add image adstop
News photo

حين يختلط المال بالتصويت .. دعوة للتأمل في قيم الأمانة والنزاهة

كتب ـ محمود عبد الظاهر 

 

في زمن يتسارع فيه نبض الانتخابات، وتتكالب فيه المصالح على حساب المبادئ، يبرز مشهد مثير للأسف: نواب ومرشحون يحولون صندوق الاقتراع إلى سوقٍ للبيع والشراء، يشترون أصوات المواطنين بالمال الزائل، متوهمين أن هذا الطريق يؤدي إلى السلطة والنفوذ. هؤلاء الذين يظهرون فجأة كالأشباح في أيام الانتخابات، يوزعون الوعود والإغراءات المالية، ثم يختفون كالسراب بعد الفوز، تاركين الشعب يئن تحت وطأة الفقر والإهمال. إن هذا السلوك ليس مجرد انحراف سياسي، بل هو إثم كبير ينتهك أحكام الشريعة الإسلامية، ويُفسد في الأرض، ويُضعف أركان المجتمع. فكيف لنا أن نشرح للمواطنين هذا الظن السيء ، مستدلين بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة رضي الله عنهم؟ 

دعونا نستعرض ذلك باختصار.

النهي الإلهي عن الرشوة: آياتٌ بيّناتٌ : قد حذّر الله عز وجل عباده من الرشوة في كتابه الكريم، معتبرًا إياها أكلًا لأموال الناس بالباطل، وتدخّلًا في العدل الذي هو أساس السماء والأرض. ففي سورة البقرة، يقول سبحانه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 188). هنا، يصف الله الرشوة بأنها "تدلُو"، أي إرسال الدلو إلى البئر لاستخراج الماء، لكنها في الواقع إغراءٌ للحكام والنواب ليبتلعوا حقوق الآخرين بالإثم. فالنائب الذي يشتري الصوت بالمال، يصبح مرتَشيًا يأكل من جيوب الشعب، ويُفسد القضاء والحكم. 

وكيف لا، وقد أمر الله بإظهار الشهادة بالحق، محذّرًا من كتمانها الذي يُفضي إلى الظلم؟

 يقول تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} (البقرة: 283). في سياق الانتخابات، تكون الشهادة هي التصويت للأصلح، والكتمان هو بيع الصوت للمال، مما يُخفي الحقيقة ويُظهر الباطل. إن هذه الآية تُبيّن أن قلب الراشي والمرتشي مليء بالإثم، فهو يعرف الظلم ومع ذلك يُصرّ عليه، مُفسدًا في الأرض ومُثيرًا غضب السماء.

لعن الرسول للراشي والمرتشي: تحذيرٌ نبويٌّ : لم يقف الأمر عند القرآن، بل أكّد النبي محمد صلى الله عليه وسلم حُرمة الرشوة بلعن المتورّطين فيها. 

روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ" (رواه الترمذي، وهو حديث حسن صحيح). وفي رواية أخرى: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ"، أي الوسيط بينهما. هذا اللعن يُظهر شدَّة التحريم، ، إن هذا الحديث يُذَكِّرُنا بأنَّ الرشوة ليست مجرَّد صفقة، بل هي لعنةٌ تُلْحَقُ بالعبد في الدنيا والآخرة، وتُحْرِمُهُ من بركة المال والمنصب. فكيف للمواطن أن يُسَهِمَ في لعْنِهِ نفسِهِ ببيع صوتِهِ لِمَنْ لا يَسْتَحِقُّ؟

سيرة الصحابة: قدوةٌ في العدل والشفافية :

إذا أردنا نموذجًا حيًّا للانتخابات النقيّة، فلننظر إلى سيرة الصحابة رضي الله عنهم، الذين جعلوا العدل أساسًا في اختيار القادة. ففي بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كانت الانتخابات حرّةً مباشرةً من أهل الحلِّ والعقْدِ، ثم عمومِ المسلمين، دون رشْوَةٍ أو إغْرَاءٍ، بل على أساسِ التقوى والعلم. وقد رشَّحَ أبو بَكْر عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَلِيفَةً لَهُ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ لِعَدْلِهِ وَعِلْمِهِ، لا لِمَالِهِ أَوْ وَعْدِهِ الْفَارِغِ.

وَمِنْ أَجْلِّ الْقَصَصِ قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الَّذي بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ فِي خَيْبَرَ ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ الْمَالَ كَرَشْوَةٍ لِيَحْكُمَ لَهُمْ بِالْبَاطِلِ، فَرَفَضَهُ قَائِلًا: "وَاللَّهِ لَا أَكُلُ مِنْ سَحْتِكُمْ شَيْئًا"، مُظْهِرًا أَنَّ الْعَدْلَ أَغْلَى مِنْ كُلِّ مَالٍ. هَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَعِيشُونَ بَيْنَ النَّاسِ، يَعْرِفُونَ مَشَاكِلَهُمْ، وَيَسْعَوْنَ لِخِدْمَتِهِمْ بِالْحَقِّ، لا بِالْمَالِ الْمُسْتَعَارِ.

 

الدعمُ لِلْأَصْلِحِ: الْحَقُّ الْوَاجِبُ أيُّها الناس وَكُلُّ مَنْ يَسْعَى لِلْبِلَادِ، إِنَّ الدَّعْمَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ لِلَّذِي يَظْهَرُ فَقَطْ فِي أَيَّامِ الْانْتِخَابَاتِ بِمَالِهِ الْمُسْرَقِ، بَلْ لِلَّذِي يَعِيشُ بَيْنَكُمْ، يَشْعُرُ بِأَلَمِكُمْ، يَعْرِفُ مَشَاكِلَكُمْ مِنْ قُرْبٍ، وَيَسْعَى لِخِدْمَتِكُمْ بِالْعَمَلِ الصَّادِقِ وَالْجِهْدِ الْمُخْلِصِ. 

هَؤُلَاءِ هُمْ الْأَهْلُ لِلْمَنْصِبِ، فَإِنَّهُمْ يُشْبِهُونَ الصَّحَابَةَ فِي الْعَدْلِ وَالْإِخْلَاصِ. وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (النَّحْل: 90)، فَالْانْتِخَابُ بِالْحَقِّ عِبَادَةٌ، وَالْبَيْعُ بِالْمَالِ خِيَانَةٌ.

فِي الْخِتَامِ، لَا تَدَعُوا لِلرَّشْوَةِ مَجَالًا تُفْسِدُ الْبِلَادَ، وَاخْتَارُوا الْأَصْلِحَ بِقَلْبٍ نَقِيٍّ، فَإِنَّ الله يُحبُ الْمُسْلِمِينَ الْعَادِلِينَ ويبغض الفاسدين المُفسدين . وَاللَّهُ وَلِيُّ التوفيق.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى