add image adstop
News photo

أكتوبر والذاكرة الوطنية كقوة ناعمة بقلم أ.د/ مها محمد عبد القادر

بقلم

أ.د/ مها محمد عبد القادر

أستاذ أصول التربية

كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر

 

تُشكل الذاكرة الوطنية إحدى الركائز الجوهرية في بناء الوعي الجمعي وصياغة الهوية القومية، حيث تمثل طاقة رمزية نابضة بتواصل إشعاعها في الحاضر وتوجه مسار المستقبل، فهي الوعي الذي تختزن فيه الشعوب تجاربها وقيمها ومعانيها العميقة، ومنه تستمد قوتها المعنوية وقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. ومن ثم تجلّت ملحمة نصر أكتوبر 1973 كمنظومة متكاملة من القيم، جسدت لحظة تاريخية فارقة في بناء وإعادة إنتاج كنوز الذاكرة الوطنية المصرية، حيث تفاعلت فيها طاقاتها وتكاملت فيها قابلياتها.

 

وتعمل الذاكرة الوطنية بيئة عميقة للوعي الجمعي تُشكل عبر الزمن، وتعيد صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر في إطار من التفاعل الحي بين الخبرة التاريخية والدلالة، فهي منظومة ثقافية تربوية متكاملة تنعكس في الوجدان الجمعي لتصوغ الشخصية الوطنية الأصيلة الممتدة الجذور في التاريخ والمستوعبة لمتغيرات الحاضر والمستشرفة لآفاق المستقبل. فالأمم التي تصون ذاكرتها بالتأمل والاعتبار تكون أكثر وعيًا وصلابة في مواجهة الأزمات وتجاوز المحن، لأنها تمتلك رصيدًا روحيًا ومعنويًا يعزز جذورها في الواقع ويمنحها الثقة في المستقبل.

 

وتتجسد الذاكرة الوطنية بالدولة المصرية منذ فجر الحضارة الفرعونية وحتى الدولة الحديثة، حيث شكلت كل مرحلة منها لبنة في بناء الوعي الوطني، غير أن نصر أكتوبر 1973 يظل الحدث الأبرز في الذاكرة المعاصرة، فهو لحظة استعادة الكرامة الإنسانية، وبناء الثقة بالذات بعد نكسة 1967، وتحصينًا عمليًا لمعنى السلام من حيث هو شموخ وإرادة وشجاعة في معاندة وجوبية تؤكد أن مصر لا تُهزم طالما ظلت موحدة الإرادة صلبة العزيمة.

 

وتُمثل ذاكرة أكتوبر منظومة قيمية متكاملة تضم الصبر والإعداد والتخطيط الدقيق والإيمان بالهدف، إلى جانب الابتكار في الفكر والعمل والتكنولوجيا، وما تزال تلك القيم تشكل اليوم دعامة أساسية في وجدان المصري المعاصر، حيث تغذي ثقافة العمل والإبداع وروح مشروعات التنمية والبناء في الجمهورية الجديدة، فكانت ذاكرة الوطنية تتجدد بالحاضر وتستمر بها الأجيال، لتظل مصر أمة تعرف قدر نفسها من الذاكرة وعيًا، ومن الوعي فعلًا، ومن النهضة مستقبلًا يليق بمجدها الحضاري الخالد.

 

وتعد القوة الناعمة أحد المفاهيم المحورية في الفكر السياسي والثقافي المعاصر، وهي تعبر عن قدرة الدولة على التأثير في الآخرين بالإقناع والجاذبية والقيم، وهي بذلك تمثل جوهر النفوذ الحضاري والرمزي الذي يجعل من الثقافة والذاكرة والتجربة الإنسانية أداة فاعلة في تشكيل الوعي الإنساني. ومن ثم يُجلي نصر أكتوبر المجيد أحد أبرز تجليات القوة الناعمة المصرية، لأنه جمع في مضمونه بين العبقرية العسكرية والبطولة الوطنية، وبين الإبداع الإنساني والصلابة المجتمعية. فقد أثبتت مصر من خلال نصر أكتوبر أن القوة الحقيقية تقاس بعمق الإيمان وصدق الانتماء، وأن الإرادة الوطنية حين تتجسد في وعي جمعي تصبح أداة لتعبير حضاري يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.

 

ولقد تجاوز نصر أكتوبر حدوده الزمانية والمكانية، محمولًا إلى رمز ثقافي وإنساني عالمي، يجسد إرادة الشعوب في التحرر والكرامة والسيادة، حيث مثل في الوجدان العربي لحظة استعادة الثقة بالذات والقدرة على الفعل الجماعي، وأعاد للأمة العربية إحساسها بوحدتها ومكانتها ودورها التاريخي. أما في الذاكرة المصرية، فقد ظل عنوانًا للكرامة والعزة، وشاهدًا على أن مصر لا تُهزم حين تُوحد إرادتها، وأنها قادرة دومًا على تحويل التحدي إلى انتصار.

 

كما تحول نصر أكتوبر مع مرور الزمن إلى مرجعية رمزية في الخطاب الوطني المصري، تستعاد في لحظات الشدة لتحفيز الأجيال على الاقتداء بروح التضحية والفداء، فأصبح النصر رمزًا للمعجزات، في الفن والأدب والإعلام والتعليم ظل هذا النصر حاضراً في الوجدان العام، حاملاً موج الإعزاز والفخر، ومُلهمًا للأجيال على حب الوطن والإخلاص له. لقد شكلت معركة أكتوبر إحدى أعمدة القوة الناعمة المصرية في مجالات الوعي والثقافة والتاريخ والفنون، وترجمت تاريخها إلى قوة ناعمة تُضيء الحاضر وتُلهم المستقبل.

 

وللفنون المصرية دورًا محوريًا في تخليد ذاكرة نصر أكتوبر وتحويلها إلى طاقة متجددة تتوارثها الأجيال. فقد جسدت الأغنية الوطنية والدراما السينمائية والمسرح تلك اللحظة الموحية التي جسدت الإيمان العميق بالوطن، والإعجاب بالإنسان المصري المقاتل والمبدع، ومن الأغاني التي وثقت لحظات النصر الخالدة، إلى الأفلام التي صورت بطولات الميدان وجسدت تضحيات الجنود، برزت الفنون كجسر يصل بين الذاكرة والوجدان، وأداة فاعلة في تشكيل الوعي الوطني وتعميق الانتماء القومي.

 

لقد أخرجت الصورة بالصوت، والكلمة بالإحساس، والوجدان بالإيمان، بما جمعها من عناصر جامعة تعيد للأذهان معاني البطولة والصمود والإرادة في النهوض. وهكذا تحوّل نصر أكتوبر في الوعي الثقافي المصري إلى حكاية وطن تتجدد كل جيل، بوصفه تجربة إنسانية كاملة تعلم كيف يمكن للإبداع أن يحفظ الذاكرة، والفن أن يُبقي جذوة الوطن مشتعلة في القلب والعقل.

 

وأدركت الدولة المصرية مركزًا الأثر العميق للفن والإبداع في بناء الذاكرة الوطنية وصياغة الوعي الجمعي، فعملت على توظيف الفنون بمختلف أشكالها من سينما ومسرح وموسيقى وأدب كأدوات ثقافية وتربوية لتخلد روح نصر أكتوبر وقيمه. ومع مرور الأيام، تحولت الأعمال الإبداعية إلى وثائق وجدانبة نابضة تحفظ تفاصيل النصر وتغرس في الأجيال الجديدة معاني الإصرار والعمل الجماعي والإيمان بالوطن، ليصبح الفن شريكًا في بناء الشخصية الوطنية.

 

كما أسهم الإعلام الوطني بدور محوري في ترسيخ هذا الوعي، عبر خطاب عقلاني يجمع بين الواقعية والرمزية، يعيد تقديم نصر أكتوبر بوصفه درسًا حضاريًا شاملاً في الإرادة والتكامل والقيادة الحكيمة. فقد أضافت البرامج الوثائقية والتحقيقات الصحفية والاحتفالات الوطنية بُعدًا وجدانيًا عميقًا يربط بين الماضي والحاضر، مؤكدًا أن القوة تقاس بصلابة الشعب وإيمانه بعدالة قضيته. وبذلك نجحت مصر في تحويل الفن والإعلام إلى قوة ناعمة فاعلة تعيد إنتاج الذاكرة وتغذي روح الانتماء لتبقى ملحمة أكتوبر مصدر إلهام دائم للأجيال، ودليلًا على أن الانتصار الحقيقي بانتصار الوعي والإرادة والقيم، وأن تظل الذاكرة حية، والعزيمة متجددة، والهوية راسخة في وجدان الأمة.

 

ونؤكد أن صون ذاكرة أكتوبر هو حفظ للهوية وتجديد لروح الأمة واستمرارية لرسالتها الحضارية. فالأمم التي تحفظ ذاكرتها تبقى قادرة على استلهام دروسها، وصياغة حاضرها بعين على المستقبل. وبعد نصر أكتوبر المجيد بما يحمله من رموز البطولة والوحدة والعزة، مسيرة وطنية تهدي الأجيال إلى معاني التضحية والانتماء، وتذكر العالم بمكانة مصر التي صنعت التاريخ ولا تزال تصنعه بعقلها وحكمتها وريادتها. حفظ الله مصرنا الغالية، أرض النصر والكرامة، ومهد الحضارة والإنسانية، وجعل رايتها خفاقة بالعزة والسلام، ما دامت ذاكرة أكتوبر تُضيء طريقها وتُلهم أبناءها.

 

 

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى