محمود الهندي
قال الاستاذ الدكتور ابو العلا عطيفي استاذ الحاسبات والذكاء الإصطناعي بجامعة القاهرة :
في عالمٍ تتسارع فيه الخوارزميات أسرع من نبضات أفكارنا، وتسبقنا الآلات في تفكيك ذواتنا قبل أن ننطق، يولد مفهومٌ يغيّر معادلة الوجود، ألا وهو النيروجيكو؛ حيث لم يعد الإنسان كيانًا منفصلًا عن التقنية، بل كينونةً هجينة يتشارك الوعي مع الذكاء الاصطناعي، ويتعلّم منه، ويعيد عبره هندسة إدراكه وحدود قدرته .
ووفق التأطير الذي يقدمه مؤسّس هذه الفلسفة أ. د. ابو العلا عطيفى حسنين، الأستاذ بكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي – جامعة القاهرة، تتحول المقولة الديكارتية «أنا أفكر، إذن أنا موجود» إلى صيغةٍ نيروجيكية «أنا أفكر مع، إذن أنا أتطور»، إذ لم يعد التفكير فعلًا منفردًا، بل عملية تشاركية بين دماغٍ يتغذّى من خبرته وتجربته، وخوارزميةٍ تتغذّى من البيانات والنماذج .
في هذا الأفق تتجاور مساران متكاملان يختزلان هذا التحوّل، أولا المسار المزروع الذي تمثله «شريحة نيورالينك» بوصفها وصلة دماغ – حاسوب تلتقط إشاراتٍ عصبية دقيقة عبر خيوط مرنة تحمل آلاف الأقطاب الدقيقة، ما يمكن أشخاصًا مصابين بالشلل من التحكم بحواسيبهم وأجهزتهم بمجرد النيّة الحركية؛ وقد أثبتت أولى التجارب البشرية منذ 2024م قدرة هذا النظام على ترجمة نشاط القشرة الحركية إلى أوامرٍ رقمية في الاستخدام اليومي، مع تحديثاتٍ خوارزمية رفعت دقّة السرعة والاعتمادية رغم تحدّياتٍ تقنية ظهرت لاحقًا في ثبات بعض الخيوط المزروعة داخل النسيج العصبي. وعلى الضفّة الأخرى يمتد المسار غير المزروع الذي تمثله السونوجينيتيكا، وهي مقاربة تستخدم موجاتٍ فوق صوتية منخفضة الشدة لتحفيز مجموعاتٍ عصبية محددة بعمق الدماغ من دون جراحة .
وقد برهنت بداياتها التجريبية على نماذج حيّة منذ 2015م ثم تطوّرت ضمن حقلٍ أوسع هو «التحفيز الدماغي بالموجات فوق الصوتية المركزة»، الذي تتزايد شواهده على القدرة الانتقائية في التنشيط أو التثبيط العصبي لدى البشر بملفّ أمانٍ واعد. وهنا يبرز دور «المهاد» بوصفه بنيةً مركزيةً عميقة تعمل كـ«بوابة» للإحساس والانتباه، فهو يرشّح معظم المدخلات الحسية قبل وصولها إلى القشرة، وينسّق مع القشرة المخية إيقاع الحالات الذهنية (كالانتباه واليقظة)، ما يجعل استهدافه الدقيق قادرًا على تعديل وضوح الإدراك وتركيزه من دون تدخلٍ جراحي .
هكذا يتبدى النيروجيكو — كما يؤكد حسنين بوصفه سيمفونية تآلُف بين البيولوجيا والتقنية والموجة، تبدء بزرعة مزروعة تمنح الدماغ قناة تعبير جديدة تُقرأ فيها النوايا قبل أن تصير حركة، وموجةٌ فوق صوتية تمنحنا أداة تشكيل لطوبوغرافيا الإدراك من خارج الجمجمة؛ كلاهما يفتحان «ممرات» بين الوعي والآلة، ويحولان القرار المعرفي من فعلٍ داخلي خالص إلى تفاوضٍ خوارزمي على مستوى الإحساس والانتباه والاختيار. وإذا كانت نيورالينك قد صاغت، تسويقيًا، مفهوم «التخاطر» لتسمية القدرة على التحكّم بالأجهزة بمجرد التفكير لدى مشاركين يستخدمون الزرعة لساعاتٍ يوميًا ضمن دراسةٍ سريرية جارية، فإن الدرس الفلسفي هنا لا يتعلّق بالمصطلح بقدر ما يتعلّق بــتسييل الإرادة عبر قنواتٍ رقمية باتت جزءًا من الفعل اليومي للذات .
وبالمثل، تمنحنا السونوجينيتيكا—بفضل إمكانية استهداف دوائر عميقة كالمهاد ونوى المكافأة عبر بؤرٍ مركزة—وسيلةً لإحداث تغيّراتٍ عابرة في الحالات الذهنية والانفعالية، ما يمهّد لطبٍّ إدراكي شخصي يضبط الإيقاع العصبي بدل الاكتفاء بعلاجاتٍ كيميائية عامة التأثير .
غير أن هذا الاندماج لا يمر دون أسئلةٍ وجودية وأخلاقية حادة، منها على سبيل المثال، من يملك بيانات الدماغ المأخوذة من الأقطاب المزروعة؟ وكيف نُشيد حقوقًا عصبية تحمي الخصوصية الذهنية وحرية الإرادة من «الاستعمار الخوارزمي»؟ وما شروط العدالة الإدراكية حين تُتاح أدوات التعزيز—كزراعات الدماغ أو بروتوكولات التحفيز فوق الصوتي— لبعض الفئات دون غيرها؟ إن تجارب نيورالينك المبكرة تُظهر بوضوح أن التصميمات التقنية ليست محايدة؛ فمشكلات ثبات الخيوط المزروعة والتكيّفات الخوارزمية اللاحقة لتجاوز فقدان الإشارات تكشف هشاشة البنية التقنية أمام بيولوجيا حيّة نابضة، وتذكرنا بأن الهندسة العصبية ليست مجرد وعدٍ تقني، بل عقدٌ اجتماعي جديد بين الدماغ والبنية التحتية الرقمية. وعلى الجانب غير الباضع، ورغم التفاؤل العلمي المتزايد بمأمونية ودقة التحفيز فوق الصوتي في الإنسان، فإن المجتمع العلمي نفسه يقرّ بأنّ آليات التأثير على مستوى القنوات الأيونية والشبكات ما تزال قيد التحديد، وأنّ التوحيد المنهجي للمعايير والمعايرة عبر الجمجمة شرطٌ لازم قبل تعميم التطبيقات السريرية واسعة النطاق .
في المحصّلة، لا يقترح النيروجيكو صراعًا بين الإنسان والآلة، بل شراكةً معرفية تتعدد فيها القنوات، عن طريق زرعةٌ تُمكن من التعبير الإرادي الفوري، وموجةٌ تعيد تشكيل ديناميات الدوائر العصبية في الزمن الحقيقي؛ كلاهما يوسع تعريفنا لما هو ممكن في الإدراك والعلاج والتعليم والإبداع، لكنه في الوقت ذاته يفرض علينا—وفق رؤية مؤسسه أ. د. ابوالعلا حسنين—ميثاقًا إدراكيًا عادلًا يضمن الشفافية والمساءلة والسيادة الذهنية، ويحول دون تحول قدرات التعزيز إلى امتيازٍ تقني يُعمّق الفوارق بدل أن يجسرها. نحن لا نعيش «عصر الآلة»، بل عصر الإنسان المعزّز الذي يتعلم أن يقول «أنا أفكر مع … فأتغير»، على ألا ينسى أن يفكر لنفسه أولًا .
التعليقات الأخيرة