add image adstop
News photo

سلسلة قرات لك المقال الثامن الرجال من المريخ والنساء من الزهرة

 

 

بقلم د/سماح عزازي 

 

هناك كتب تمر بك مرور النسيم، فتداعب وجدانك ثم تذوب في زوايا النسيان، وهناك كتب أخرى، كحجر يُلقى في بحيرة هادئة، فيصنع دوائر لا تنتهي في عمقك. كتاب "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة" من هذا الصنف الأخير، فهو لا يكتفي بأن يصف العلاقة بين الرجل والمرأة، بل يفتح أبوابًا سرية في النفس، حيث يكمن المعنى الأعمق للحب والتواصل.

 

جون غراي لا يكتب هنا كعالم أو منظّر فحسب، بل كرحّالة بين القلوب، يسافر بين كوكب المريخ وكوكب الزهرة، ليعود إلينا بحقيبة من الاكتشافات، يخبرنا أن الحب ليس أن نكون متشابهين، بل أن نتقن فن الإصغاء للآخر بلغته هو، لا بلغتنا نحن.

 

وأنت تقرأ الكتاب، تشعر أنك تعبر جسرًا ممتدًا بين عقلين مختلفين، بين أسلوبين في الحياة، بين عالمين يتقاطعان في لحظات من الدهشة والامتنان. وربما تدرك فجأة أن معظم الخلافات لم تكن إلا ترجمات خاطئة، وأن القرب ليس مسألة مسافة، بل مسألة فهم.

 

المؤلف: جون غراي

دار النشر: HarperCollins (الطبعة الإنجليزية)، وترجمات عربية متعددة

عدد الصفحات: 320 صفحة

 

نبذة عن المؤلف

جون غراي، مستشار أسري وأخصائي في العلاقات الإنسانية، يُعد من أكثر المؤلفين تأثيرًا في مجال تطوير الذات والعلاقات العاطفية. جمع في مؤلفاته بين خبرته الأكاديمية وملاحظاته العملية في جلسات الإرشاد الأسري، لتخرج أعماله أقرب إلى "خرائط طريق" لفهم الآخر، مبنية على تبسيط العلوم النفسية بلغة قريبة من القارئ العادي. اشتهر عالميًا بكتابه "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، الذي بيع منه أكثر من 50 مليون نسخة، وترجم إلى عشرات اللغات.

 

ملخص الكتاب

الكتاب يضع أمامنا فرضية ذكية: الرجال والنساء كائنات من كوكبين مختلفين تمامًا — المريخ والزهرة. لكل منهما لغته الخاصة، طريقته في التفكير، واستجاباته العاطفية. المشكلة تبدأ حين ننسى هذا الاختلاف، فنحاول أن نفهم الآخر من منظورنا نحن، لا من واقعه الخاص.

 

جون غراي يقسم الكتاب إلى فصول تحمل في طياتها مواقف حياتية، يشرح من خلالها أن الرجل حين يواجه مشكلة، يميل إلى الانعزال والبحث عن حلول بصمت، بينما المرأة تميل إلى المشاركة الوجدانية والتحدث لتخفيف الضغط العاطفي.

 

يؤكد المؤلف أن التواصل الفعّال لا يقوم على تغيير الآخر، بل على "ترجمة" لغته. فعندما تدرك المرأة أن انسحاب الرجل أحيانًا ليس هجرًا، بل طريقة لإعادة شحن طاقته، ستتوقف عن اعتباره تجاهلًا. وبالمقابل، حين يدرك الرجل أن إصغاءه للمرأة دون تقديم حلول فورية يمنحها الأمان، سيفهم أن الحب أحيانًا يعني الصمت المطمئن أكثر من النصيحة الجاهزة.

 

الكتاب يمتلئ بأمثلة عملية، وحلول قابلة للتطبيق في الحياة اليومية، من فن إدارة النقاشات، إلى فهم طبيعة الاحتياجات العاطفية، وصولًا إلى تخفيف حدة الصراعات الزوجية عبر تقبّل الاختلاف بدلًا من محاولة إلغائه.

 

يأخذنا جون غراي في هذا العمل إلى رحلة استكشافية داخل النفس البشرية، رحلة لا تدور حول الفوارق البيولوجية أو الظاهرية بين الرجل والمرأة فحسب، بل حول الاختلافات الجوهرية في طريقة التفكير، معالجة المشاعر، والتواصل مع الآخر. الفكرة الأساسية التي ينطلق منها المؤلف أن الرجال والنساء يبدون وكأنهم من كوكبين مختلفين — الرجال من المريخ، والنساء من الزهرة — ولكل كوكب ثقافته، لغته، وأسلوب حياته الخاص.

 

1. الفروقات في طرق التواصل

يفترض غراي أن الرجال يميلون إلى الحديث من أجل تبادل المعلومات أو إيجاد حلول عملية، بينما تميل النساء إلى الحديث بوصفه وسيلة للتعبير عن المشاعر وبناء الروابط العاطفية. هذا الفرق البسيط ظاهريًا هو جذر كثير من سوء الفهم بين الجنسين؛ فالمرأة حين تتحدث عن مشكلة، فهي لا تبحث بالضرورة عن حل، بل عن احتواء واستماع، بينما يظن الرجل أنه يؤدي واجبه حين يقترح الحلول، في حين أن ذلك قد يتركها غير مُشبَعة عاطفيًا.

 

2. "الكهف" و"موجة المشاعر"

يصف غراي الحالة التي يدخل فيها الرجل حين يواجه ضغطًا أو مشكلة بأنه ينسحب إلى "كهفه" النفسي، حيث يعزل نفسه ويبحث في صمت عن حلول. على الطرف الآخر، تشبّه المرأة بحالة "الموجة"، حيث ترتفع طاقتها العاطفية وتنخفض تبعًا لمدى إشباع احتياجاتها العاطفية. فهم هذه الديناميكية يساعد الطرفين على تقبّل ردود الفعل المختلفة في أوقات الضغط بدلًا من تفسيرها كرفض أو إهمال.

 

3. لغة الحب المختلفة

يؤكد المؤلف أن الرجال والنساء يعبرون عن الحب بطرق مختلفة: الرجل قد يظهر الحب عبر الأفعال والحماية وتقديم الحلول، بينما تميل المرأة إلى التعبير بالكلمات، الرعاية، وتقديم الدعم العاطفي. سوء فهم هذه "اللغات" يقود أحيانًا إلى شعور بعدم التقدير أو الحب رغم وجوده الفعلي.

 

4. الدافع الأساسي للعطاء

يرى غراي أن الرجل يشعر بالحب حين يُقدّر جهوده ويُعترف بإنجازاته، بينما تشعر المرأة بالحب حين تُحاط بالاهتمام والرعاية. إدراك هذه الحقيقة يجعل كل طرف أكثر قدرة على تلبية احتياجات الآخر دون انتظار أن "يفكر مثله".

 

5. الفهم بدلًا من التغيير

واحدة من الرسائل الجوهرية في الكتاب أن الحل ليس في محاولة تغيير الطرف الآخر ليشبهنا، بل في قبول اختلافه وفهم منطقه الداخلي. هذا الفهم لا يلغي الاختلافات، لكنه يجعلها جسرًا للتقارب بدل أن تكون سببًا للتباعد.

 

6. أهمية التوازن

يطرح غراي فكرة أن العلاقات تحتاج إلى توازن بين الأخذ والعطاء، وبين المساحة الشخصية والوقت المشترك. الرجل يحتاج إلى مساحة ليعيد شحن طاقته في "كهفه"، والمرأة تحتاج إلى فترات من التواصل العميق لتشعر بالأمان العاطفي. التوازن بين هذين الاحتياجين يحافظ على استقرار العلاقة وازدهارها.

 

7. الأثر النفسي والاجتماعي

لا يتوقف الكتاب عند إطار العلاقات العاطفية فقط، بل يفتح الباب لفهم أوسع حول تأثير الثقافة، التربية، وحتى الضغوط الاجتماعية على تشكيل أنماط التواصل بين الجنسين. وهو يدعو إلى أن يكون الفهم المتبادل أداة لتجاوز الصور النمطية والانتقال إلى علاقة أكثر وعيًا ونضجًا.

 

في نهاية المطاف، يقدم جون غراي دليلًا عمليًا وعاطفيًا معًا، ليس للتخلص من الخلافات، بل لتحويلها إلى فرص للتقارب والنمو المشترك.

 

أبرز الاقتباسات

"حين يشعر الرجل بالعجز عن تلبية احتياجات المرأة، ينسحب إلى كهفه."

 

"النساء يتحدثن للتقارب، والرجال يتحدثون لتبادل المعلومات."

 

"المحبة الحقيقية تعني أن تمنح الآخر ما يحتاجه، لا ما تراه أنت مناسبًا."

 

أفكار لفتتني ولماذا

أكثر ما شدني هو بساطة التشبيه بكوكبين مختلفين، وكيف أن هذه الصورة الرمزية استطاعت أن تشرح ببراعة فجوة الأجيال والجنسين في التواصل. الفكرة ليست فقط أن نتقبّل أن الآخر مختلف، بل أن نحتفي بهذا الاختلاف باعتباره فرصة للتكامل.

 

كما لفتني حديث المؤلف عن "حسابات الحب العاطفية" — أن الرجل والمرأة قد يقيّمان الأفعال العاطفية بطرق مختلفة تمامًا، وأن الهدية الصغيرة قد تعني للمرأة ما يوازي عملاً بطوليًا، بينما قد يرى الرجل أن التضحية الكبيرة وحدها تستحق التقدير.

 

تقييمي الشخصي ولماذا

أعطي الكتاب 9/10.

هو ليس مجرد دليل إرشادي للعلاقات، بل أشبه بمفتاح لفهم لغة لم نكن نعلم أننا نتحدثها بلكنات مختلفة. يستحق أن يُقرأ اليوم تحديدًا لأننا نعيش في زمن تتعقد فيه العلاقات بسبب التواصل الرقمي، الذي يزيد سوء الفهم بدلًا من تقليله. الكتاب يمنح القارئ وعيًا أكبر بمشاعر الآخر، ويؤسس لحوار ناضج يقلل المسافات بدلًا من توسيعها.

 

الفئة التي تناسبها القراءة

الكتاب مناسب لكل من يخوض علاقة عاطفية — سواء كان في بدايتها أو في قلبها أو حتى يراجع أطلالها — وللمهتمين بعلم النفس الاجتماعي. كذلك هو مفيد للأشخاص العاملين في بيئات مختلطة، حيث التواصل بين الجنسين جزء أساسي من النجاح.

 

سؤال للنقاش

هل تعتقد أن الاختلافات العاطفية بين الرجال والنساء طبيعية وثابتة بيولوجيًا، أم أنها ناتجة عن التربية والثقافة الاجتماعية؟

 

ربط الكتاب بواقعنا الثقافي أو المجتمعي

في مجتمعاتنا العربية، حيث ما زال الحوار بين الجنسين محاطًا بالكثير من سوء الفهم والتوقعات المسبقة، يقدم الكتاب أداة لفك الشيفرات العاطفية وتبسيط الخلافات. كما أنه يحث على الاحترام المتبادل بدلاً من محاولات الهيمنة أو الإلغاء، وهو ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.

 

عند طي الصفحة الأخيرة، لن تنهي قراءة كتاب فحسب، بل ستغلق بوابة صغيرة فتحت على عالم أكثر رحابة، عالم يُذكّرك بأن القلب البشري ليس صندوقًا مُغلقًا، بل لغة تنتظر من يتقن مفرداتها.

 

"الرجال من المريخ والنساء من الزهرة" ليس مجرد دليل لتقليل الخلافات، بل هو مرآة نرى فيها هشاشتنا وجمالنا معًا، هو فرصة لننظر في أعماق أنفسنا قبل أن نحاكم الآخر، وأن نمنح قلوبنا فرصة لتتعلم لغة جديدة — لغة الحب الذي يفهم، لا الحب الذي يطالب.

 

في النهاية، ندرك أن الاختلاف ليس حاجزًا، بل جسرًا، وأن المريخ والزهرة لا يلتقيان في الفضاء الخارجي فقط، بل يمكن أن يلتقيا في حضن إنساني واحد، إذا كان هناك من يملك الشجاعة للإصغاء. وهنا، ربما يكون هذا الكتاب بداية رحلة جديدة، لا لفهم الآخر فقط، بل لفهم الذات في مرآة الآخر.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى