add image adstop
News photo

مصر… هبة النيل وهدية السماء

 

 

بقلم د/سماح عزازي 

 

على ضفاف النيل، حيث تتعانق الأرض بالسماء، وحيث تنساب الحياة في مجرى أزلي لا يعرف الانقطاع، وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام لوحة أبدعها الخالق بفرشاة الضوء والماء. كانت الشمس تبتسم بخجل وهي تلقي بخيوطها الذهبية على صفحة النهر، فتتناثر آلاف اللآلئ الضوئية في رقصة صامتة، بينما النسيم العليل يمر بين الأشجار كأنه رسول سلام يهمس بالأسرار إلى القلوب. هنا، حيث يختلط عبق الطمي بنكهة الصباح، أدركت أن الحب الذي يسكن صدري لهذا الوطن ليس اختيارًا، بل فطرة، وأن النيل ليس مجرد نهر، بل نبض يتدفق في عروقي، يحملني إلى أعماق التاريخ، ويغسل روحي من غبار الأيام.

 

النيل، وهو ينساب أمامي، ليس ماءً فحسب، بل ذاكرة حيّة تحفظ في طياتها أساطير الفراعنة، وأناشيد الفلاحين، وحكايات العاشقين الذين جلسوا على شاطئيه ينتظرون غروب الشمس أو بزوغ القمر. في مياهه تعكس السماء ألوانها، وفي مجراه تتلاقى خطوات الأجيال، وفي صمته العميق نسمع أنين الأرض حين تعطش، وفرحتها حين ترتوي. كيف لا أحب مصر، وهي الحضن الذي يجمع هذا النهر في قلبه منذ آلاف السنين، ويربيه كما تربي الأم وليدها، تحميه من الغزاة، وتفتديه بكل ما تملك؟

 

على الضفة الشرقية للنيل، حيث تلتقي الأرض بالسماء في مشهد من السكينة النادرة، جلستُ أرقب هذا الشريان الأزلي الذي منح الحياة لمصر منذ فجر التاريخ. كانت الشمس في كبد السماء ترسل خيوطها الذهبية فتتراقص فوق صفحة الماء، فتبدو كأنها عقد من اللؤلؤ السائل يمتد بلا نهاية. النسمات العليلة تحمل عبق الطمي، وصوت الماء ينساب في أذني كقصيدة لا تنتهي، قصيدة كتبها الزمن ووقّعتها الطبيعة بخطّها الأجمل.

 

النيل ليس مجرى مائيًا عاديًا، بل هو القلب النابض لمصر منذ آلاف السنين. على ضفافه وُلدت أولى الحضارات، ومنها انطلقت شرارة الزراعة والري والتنظيم الاجتماعي. هنا، على امتداد شاطئيه، قامت معابد الكرنك والأقصر، ورُفعت المسلات، ونُحتت التماثيل التي ما زالت تحكي عن أمة عظيمة فهمت منذ البداية أن الماء هو سر الوجود.

 

يقول هيرودوت، المؤرخ الإغريقي، إن "مصر هبة النيل"، لكنه لم يدرك أن النيل نفسه هبة السماء، وأنه ليس مجرد نهر، بل سجلّ تاريخي حيّ، يحمل في مياهه ذكريات الفراعنة، ودموع العاشقين، وأغاني الفلاحين الذين ما زالوا حتى اليوم يزرعون الأرض كما فعل أجدادهم قبل آلاف السنين.

 

وأنا أراقب هذا المشهد، أرى النخيل واقفًا شامخًا كحراس أبديين على ضفاف النهر، وأرى سنابل القمح تتمايل مع الرياح وكأنها تلوّح للنيل شاكرة. الطيور المهاجرة تحط على سطح الماء لترتوي، ثم تواصل رحلتها، وكأنها تزور بيتها القديم. حتى ضوء الشمس يبدو هنا مختلفًا… أصفى، أحنّ، وأدفأ، لأنه ينعكس على أرض امتلأت بالحياة منذ الأزل.

 

النيل علّم مصر معنى الصبر؛ فهو يجري في هدوء لكنه قادر على فيض الخير، ويعلّمها معنى العطاء؛ فكل قطرة تصل من منبعه البعيد إلى مصبه هي وعد جديد بالحياة. على ضفافه كتب الشعراء قصائدهم، وغنى عبد الوهاب وعبد الحليم، ورسم الفنانون أجمل لوحاتهم.

 

ومصر، وهي تحتضن هذا النهر، تبدو كأم حنون تضم أبناءها إلى صدرها. من الإسكندرية على شاطئ البحر المتوسط، مرورًا بالقاهرة النابضة بالحياة، حتى أسوان حيث الشمس تتعانق مع الجبال، يظل النيل الخيط الذي يجمع كل الحكايات.

 

قد تمر مصر بأيام صعبة، لكن النيل يذكّرها دائمًا بأنها باقية، وأن قوتها في وحدتها، كما أن قوة النهر في مجراه المتصل. النيل شاهد على الغزوات والانتصارات، على قيام الحضارات وانهيارها، لكنه ظل وفيًا للأرض التي تحتضنه.

 

اليوم، ونحن نعيش في عالم سريع الإيقاع، يركض خلف التكنولوجيا والضوضاء، أجد في لحظات الجلوس أمام النيل ملاذًا يعيد إليّ الصفاء، ويذكرني أن مصر ليست فقط تاريخًا يدرَّس أو صورًا تُعلَّق، بل وطن حيّ، قلبه النيل، وروحه في أرضه، وخلوده في شعبه.

 

لهذا أحبها، ولهذا أكتب عنها، ولهذا أشعر وأنا على ضفاف النيل أنني لا أكتب مقالًا، بل أدوّن اعترافًا صريحًا: أنا مدينة لهذا النهر ولهذة الأرض بكل ما أنا عليه، وسأظل أردد كما ردد أجدادنا منذ آلاف السنين… "تحيا مصر، هبة النيل وهدية السماء".

 

وحين همست الشمس للنهار بوداعه الأخير، وامتدت ظلال الأشجار على صفحة الماء كأصابع حانية تودّع النهر، شعرت أنني لست مجرد عابرة سبيل في حضرة النيل، بل ابنة حقيقية لهذه الأرض. هنا، حيث يجلس التاريخ على كرسيه الأبدي، يراقب الأجيال وهي تمر، يبقى النيل شاهدًا على كل ما كان وما سيكون.

 

أدركت أن حب الوطن لا يقاس بالكلمات، بل بالشعور الذي يغمر قلبك حين ترى النيل في هدوئه أو فيضه، حين تسمع صوته وهو يعانق الشواطئ، وحين تلمس نسيمه وهو يربّت على روحك. مصر ليست مجرد أرض نعيش عليها، بل هي كائن حيّ، قلبه النيل، وروحه في شعبه، وخلوده في حضارته.

 

وإذا كان التاريخ قد علّمنا أن الحضارات تزول، فإن النيل يعلّمنا أن العطاء لا ينضب، وأن الحب الحقيقي باقٍ ما بقيت الحياة. لذا، سأغادر هذا المكان، لكن قلبي سيظل جالسًا هنا، على ضفة النيل، يراقب مجراه الأبدي، ويردد في صمت عاشق يعرف أن انتماءه أزلي: تحيا مصر… هبة النيل وهدية السماء، ومجد الأزمان

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى