add image adstop
News photo

حين عانقتها السماء... وأنقذتها جيوش النمل الناري

 

بقلم د/سماح عزازي 

 

هناك لحظات في الحياة تبدو وكأنها مُفصّلة خصيصًا على مقاس أقدارنا، لحظات لا نراها قادمة، ولا نستوعبها إلا بعد أن تمضي. أحيانًا، تأتي النجاة في هيئة يد تمتد لتسحبنا من حافة الموت... وأحيانًا، تأتي في أثواب غريبة لا تخطر على بال، كجيوش صغيرة تزحف على الجسد المحطم لتنفخ فيه الحياة من جديد. هذه الحكاية ليست عن سقوط من السماء فحسب، بل عن كيف يكتب القدر فصل النجاة بقلم غير مألوف، وعن كيف يمكن للألم أن يكون وجهًا آخر للرحمة.

 

كانت الشمس تتوهج فوق الأفق، ترسم على صفحة السماء ملامح يوم جديد، بينما كانت "جوان موراي" تستعد لاحتفال مختلف بعيد ميلادها السابع والأربعين. لم يكن في خطتها مأدبة فاخرة أو قاعة مزينة، بل كانت هديتها لنفسها أن تفتح ذراعيها للسماء، وتترك الريح تعانق روحها، كما فعلت خمسًا وثلاثين مرة من قبل.

 

ارتدت بذلة القفز، وشدت أحزمة المظلة بإحكام، وعيناها تلمعان بشغف المغامرة. أمامها طائرة صغيرة ستصعد بها إلى 14,500 قدم، أي إلى حيث تلتقي الأرض بالغيوم، وهناك ستقفز... كما اعتادت أن تفعل.

 

انطلقت الطائرة، والمشهد من نافذتها لوحة حية من حقول خضراء وأنهار تتلألأ تحت ضوء النهار. قلبها يخفق بهدوء مألوف، ونفسها مطمئنة؛ فهي تعرف السماء كما يعرف البحّار موجه.

 

حين أومأ لها الطيار، تقدمت نحو الباب المفتوح، ألقت نظرة أخيرة إلى الأسفل، ثم اندفعت إلى الفراغ...

في تلك اللحظة، صارت جزءًا من الريح، تُحلّق بلا جناحين، ويملأ صدرها هواء نقيّ لم تلوثه أبخرة المدن. شعرت أن الأرض بعيدة جدًا، وأنها طائر حر يرقص فوق العالم.

 

لكن عند ارتفاع ثمانية آلاف قدم، حين مدت يدها إلى حبل المظلة، لم يحدث شيء. شدّت مرة، ومرتين، وثلاثًا... ولا استجابة.

ابتسمت بثبات وهي تقول في نفسها: "لا بأس... المظلة الاحتياطية". لكنها ما إن جذبت الحبل الثاني، حتى اكتشفت أن القدر قد قرر اختبارها؛ فالمظلة الثانية أيضًا لا تريد أن تُفتح.

 

تجمّدت الدماء في عروقها، وحلّ الصمت المرعب في رأسها. لم تعد تحلّق... بل تسقط.

الارتفاع يتناقص بجنون، الأرض تقترب، والعشب الأخضر الذي كان لوحة شاعرية صار فخًا قاتلًا. حاولت أن تغيّر اتجاهها نحو شجرة أو بركة ماء، لكن الريح دفعتها نحو تشكيلات غريبة في الأرض، كأنها تلال صغيرة ذات قمم مدببة.

 

في 900 قدم فقط، بدا الزمن وكأنه يزحف ببطء. شريط حياتها مر أمام عينيها... طفولتها، ضحكات بناتها، وجه زوجها، وكل اللحظات التي أحبتها.

ثم ارتطم جسدها بالأرض. كان الاصطدام عنيفًا، لكن التلال الطينية التي هبطت فوقها امتصت جزءًا من الصدمة.

 

لكنها لم تعرف أن تلك التلال لم تكن صخورًا... بل كانت فوهات مستعمرة هائلة من "النمل الناري".

خرج الآلاف من النمل الغاضب، وغطى جسدها الممزق، وبدأ يلدغها بلا رحمة. كان الألم كلسعات لهب يخترق الجلد، لكنها لم تكن تدرك أن هذا الألم ذاته كان هدية الحياة.

 

فبينما كانت على وشك فقدان الوعي وتوقف قلبها، أثارت لسعات النمل موجة هائلة من الأدرينالين في جسدها، أعادت قلبها للخفقان، وفتحت رئتيها لتلتقط أنفاسًا جديدة.

حتى سمّ النمل، بخصائصه المضادة للبكتيريا، حمى جروحها من التلوث القاتل.

 

بعد نصف ساعة، وصلت سيارة الإسعاف. كانت "جوان" على حافة الموت، لكنهم نقلوها بسرعة، وخضعت لعمليات جراحية متعددة، ونقلت دماء 19 مرة، وظلت في غيبوبة صناعية حتى بدأت رحلة عودتها للحياة.

 

وبعد عامين، عادت للقفز مجددًا. كانت تقول في مقابلاتها إنها ظنت النمل كابوسًا، لكنها أدركت لاحقًا أنه كان جسر عبورها إلى الحياة.

 

وفي كل مرة كانت تُسأل عن تلك اللحظة، كانت تبتسم وتقول:

"لم تكن الريح التي دفعتني نحو مستعمرة النمل... كانت يدًا رحيمة من الله، وضعتني في المكان الوحيد الذي كان يمكن أن ينقذ حياتي."

 

بعد سنوات من تلك القفزة التي بدت نهايتها حتمية، كانت "جوان" تقول بابتسامة تعرف سرّها: "لم يكن الهواء الذي حملني نحو تلك البقعة، بل كانت قوة أكبر... رحمة الله التي اختارت لي الطريق الوحيد إلى الحياة."

وهكذا، تمضي القصة شاهدة على أن النجاة لا تأتي دائمًا من حيث نتوقع، وأن يد العناية الإلهية قد تختار لنا أبوابًا لا نشعر بجمالها إلا بعدما نعبرها. فالموت كان ينتظرها في حضن الأرض، لكن الحياة كانت مختبئة في لدغات النمل.

 

رحلت "جوان" عام 2022، عن 73 عامًا، وسط أسرتها، وقد حملت معها سرًّا لا ينسى: أن الحياة أحيانًا تمنحنا النجاة في أثواب لا نتوقعها... حتى لو كان ثوبها آلافًا من أقدام النمل.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى