add image adstop
News photo

رحيل فارس الأمن الغذائي… علي المصيلحي يترجل في صمت الكبار

 

 

بقلم د/سماح عزازي 

 

في لحظات معينة، يتوقف فيها إيقاع الحياة فجأة، وكأن الكون يطوي صفحة من كتابه الكبير، ويمر أمام أعيننا شريط طويل من الذكريات والمواقف، فنشعر أن أحد أعمدة الوطن قد انكسر، وأن ظلًّا وارفًا كان يحمي الناس قد انحسر. صباح اليوم الثلاثاء الموافق 12 أغسطس 2025، جاء الخبر ثقيلًا، لا يحمل بين طياته سوى اليقين المؤلم بأن علي المصيلحي، رجل الدولة، ووزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، قد ترجل عن صهوة الحياة.

رحل بصمت الملوك ووقار الحكماء، تاركًا وراءه تاريخًا مشرقًا صنعه بعرق الجبين وعزيمة لا تلين، وخبرة رجلٍ خبر دهاليز الإدارة وأسرار السياسة، فأعطى كل ما يستطيع دون أن ينتظر تصفيقًا أو مديحًا. لم يكن مجرد وزير يتخذ قرارات على الورق، بل كان رجلًا يقف عند نبض المواطن البسيط، يقرأ احتياجاته في عينيه، ويترجمها إلى أفعال ومشروعات تضمن له قوت يومه وأمان غذائه.

لم يكن رحيله مجرد غياب جسد، بل غياب روح وطنية صادقة، وغياب مدرسة في القيادة والعمل، مدرسة تؤمن أن المسؤولية أمانة، وأن الكرسي لا يدوم، لكن ما يبقى هو الأثر الطيب، وذكرى المواقف التي تصنع الفارق في حياة الناس.

 

هناك أخبار لا تأتي كغيرها، بل تدخل القلب بلا استئذان، فتترك فيه رجفة وصدعًا لا يلتئم سريعًا. تسللت المأساة إلى البيوت المصرية، وهمست الألسنة بمرارة الخبر رحل الدكتور علي المصيلحي، وزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، ورجل الدولة الذي حمل على عاتقه مسؤولية رغيف الخبز وأمن الغذاء في أحلك المنعطفات.

 

لم يكن المصيلحي مجرد وزير، بل كان عقلًا استراتيجيًا وقلبًا نابضًا بالوطنية. خبر الميدان وعرف دهاليز الإدارة، فجمع بين حزم القرار ودفء الإنسان. ظلّ في ذاكرة المصريين حاضرًا، لا سيما خلال فترة عمله التي شهدت أزمات عالمية، فكان هو الجسر الذي عبرت عليه مصر نحو الأمان الغذائي في أوقات كان العالم فيها يتقلب بين نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.

 

رجل في زمن التحديات

وصفه خلفه، وزير التموين الحالي الدكتور شريف فاروق، بأنه "قامة وطنية بارزة، ورمز للإخلاص والكفاءة والنزاهة". كلمات ليست مجاملة بروتوكولية، بل شهادة من رجل يعرف تمامًا ما تعنيه إدارة منظومة حساسة كمنظومة التموين، حيث لا مجال للتردد أو الارتجال، بل قرارات تُبنى على العلم، وخطوات تُقاس بدقة قلب يزن نبضات المواطن قبل أرقام السوق.

 

أما رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، فقد نعاه بعبارات تليق بمسيرة ممتدة، مؤكدًا أن المصيلحي كان نموذجًا للمسؤولية والعمل الوطني، وركيزة من ركائز الدولة في سنوات شديدة الاضطراب، خاصة في مواجهة تداعيات جائحة كورونا حين كان تأمين السلع الأساسية معركة يومية تُدار بحكمة وصرامة.

 

رحيل بعد صراع وصبر

وفق ما أعلنته المصادر، فإن الفقيد رحل بعد صراع طويل مع المرض، عن عمر ناهز الرابعة والسبعين. صراعٌ خاضه بصمت الكبار، الذين لا يعلنون ألمهم، بل يخفونه خلف ابتسامة واثقة وعبارات مطمئنة، حتى لا يثقلوا على من حولهم.

 

لقد كان يعرف أن الحياة معركة، لكنه أيضًا كان يعرف متى يسلّم الراية. رحل وهو يترك إرثًا من العمل والإنجاز، وملفات تشهد له قبل أن تشهد عليه، وذكرى في قلوب من عرفوه وعملوا معه.

 

الوداع الأخير

ستكون جنازته ظهر الأربعاء 13 أغسطس 2025 من مسجد الشرطة بمدينة 6 أكتوبر، قبل أن يُوارى الثرى في مقابر العائلة بطريق الواحات. وسيقام عزاء رسمي يوم الخميس بدار مناسبات الشرطة، حيث ستتوافد الوجوه من مختلف الميادين لتوديع رجلٍ لم يكن حضوره مجرد حضور وظيفي، بل كان حضورًا وطنيًا وإنسانيًا.

 

تلك اللحظة، حين يُرفع النعش على الأكتاف، سيختلط الحزن بالفخر. حزن على رجل غيّبه الموت، وفخر بمسيرة لا تنسى. سيقف زملاؤه ورفاقه، وربما بائع الخبز في الحي، وربات البيوت اللاتي كنّ يجدن السلع متوفرة في عز الأزمات، ليدعون له بالرحمة وطيب الذكر.

 

إرث لا يموت

 

قد يتغير الوزراء، وتتعاقب الحكومات، لكن بعض الأسماء تبقى محفورة في ذاكرة الشعوب، لا لسلطانهم المؤقت، بل لأثرهم الباقي. علي المصيلحي واحد من هؤلاء. ستظل سيرته مرجعًا لكل مسؤول يعرف أن المنصب أمانة، وأن السياسة بلا أخلاق جسد بلا روح.

 

في زمن تتسارع فيه الأحداث، ويغيب فيه أحيانًا صوت الضمير وسط ضجيج المصالح، يظل رحيل مثل هذه القامات وقفة تأمل في معنى العطاء الصادق، والعمل الذي لا يُقاس بعدد السنوات، بل بوزن الأثر.

 

سلامٌ عليك يوم جئت إلى الوزارة محملًا بالمسؤولية، ويوم غادرتها مرفوع الرأس، ويوم ودعت الدنيا تاركًا خلفك بصمة لا تمحوها الأيام.

رحمك الله، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدمته في ميزان حسناتك.

 

ها هو علي المصيلحي يغادرنا إلى دار الحق، تاركًا خلفه وطنًا يعرف قدره، وأصدقاء وزملاء وموطنين يدركون قيمة ما قدمه. في الغد، حين يشيع جثمانه من مسجد الشرطة بمدينة 6 أكتوبر، لن تكون الجنازة مجرد مراسم وداع رسمية، بل ستكون مسيرة حب ووفاء لرجل عاش بينهم ومات بينهم، دون أن ينفصل يومًا عن همومهم. سترافقه الدعوات الصادقة، ودموع المخلصين، وقلوب الذين لمسهم أثره في لحظة ما.

قد يغيب الجسد تحت الثرى، لكن التاريخ سيظل يذكره، وستظل سيرته تُروى في مجالس الحديث عن الرجال الذين مروا في حياتنا وتركوا بصمة لا تُمحى. سيذكره الفلاح الذي وجد سلعته مدعومة، وستذكره الأم التي وجدت قوت أولادها في أوقات الشدة، وسيذكره كل من عرف معنى أن يكون للمسؤول قلب وعقل في آن واحد.

سلام على روحه الطيبة، وسلام على كل درب سار فيه من أجل الوطن. لعل رحيله يذكرنا جميعًا أن العطاء هو ما يبقى، وأن المناصب تزول، لكن أثر العمل الصادق يمتد كالنور في العتمة، يضيء الدروب للأجيال القادمة. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى