بقلم د/سماح عزازي
في زمنٍ تزدحم فيه الأصوات حتى تبتلعنا ضوضاء لا تهدأ، وتتنافس علينا الشاشات والإعلانات والوعود اللامعة، يجيء كتاب «فن اللامبالاة» كنسمة باردة في ليلٍ خانق، كأنه يهمس في أذن القارئ: “اهدأ… لا يلزمك أن تكترث بكل هذا الصخب.”
هذا الكتاب ليس “دليلًا للكسل” ولا “نشيدًا لليأس”، بل صفعة وعي توقظنا من وهمٍ عظيم؛ وهم أن السعادة في الحصول على كل شيء، وأن الحياة تُقاس بعدد الإنجازات والصور المثالية التي نعلّقها على جدراننا الافتراضية. مارك مانسون لا يكتب ليُدلّلك، بل ليصدمك؛ يُسقط عنك أقنعة “الإيجابية السامة” التي نردّدها حتى تآكلت أرواحنا من تحتها.
في الصفحات الأولى، يتسلّل إليك السؤال الذي يحاول الكتاب أن يزرعه في قلبك: هل تعرف حقًا ما الذي يستحق اهتمامك؟… ثم يبدأ في هدم الأبراج التي شيدتها الأفكار السطحية، ليُريك أن الحياة، بكل قسوتها وجمالها، تحتاج إلى بوصلة جديدة: أن تتعلم فنّ أن تكترث… بالأشياء القليلة الصحيحة، وأن تكفّ عن النزف في كل اتجاه.
إنه كتاب يُمسك بيدك من حافة الإرهاق، ويقودك إلى مساحة هادئة في داخلك؛ مساحة تقول لك: “اختر معاركك… فليس كل قتال بطولة، وليس كل معركة تستحق دمك.”
اليوم يعلو صخب التحفيز الإجباري، وتتناسل فيه الكتب التي تصرخ في وجهك: “كن عظيمًا، كن ثريًا، كن ناجحًا فورًا!”، يأتي كتاب «فن اللامبالاة» مثل رصاصة هادئة تستقر في قلب الضجيج.
هنا، لا يَعِدُك المؤلف مارك مانسون بأحلام وردية أو بخطوات سحرية نحو السعادة المطلقة، بل يأخذ بيدك نحو الحقيقة كما هي: الحياة محدودة، المعاناة حتمية، ولن نحصل على كل شيء… وهذا تمامًا ما يمنحها قيمتها.
في هذا الكتاب، تشعر وكأن الكاتب يضع أمامك مرآة بلا تزييف، مرآة تقول:
“لن تكون مميزًا لمجرد أنك تريد أن تكون كذلك. لن يكون العالم لطيفًا معك دائمًا. ولن تنجو من الألم… لكن يمكنك أن تختار أي ألمٍ يستحق أن تعيشه.”
إنه كتابٌ لا يجاملك، ولا يتودّد لغرورك. بل يجردك من أوهامك ليتركك عاريًا أمام أكثر سؤال إنساني بدائية:
ما الذي يستحق أن أبالي به فعلًا؟
الكتاب: فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف
المؤلف: مارك مانسون
دار النشر: منشورات الرمال (الترجمة العربية)
عدد الصفحات: 272 صفحة
نبذة عن المؤلف
مارك مانسون، كاتب أمريكي و”مدوّن سابق“، لمع اسمه في عالم التنمية الذاتية بأسلوب مختلف تمامًا عن “الإيجابية المعلّبة” التي اعتدناها. كتاباته صريحة، مباشرة، وغالبًا صادمة، لكنها تحمل صدقًا يجعل القارئ يعيد التفكير في كل ما اعتبره “مسلمات”. كتب مانسون عدة مؤلفات أصبحت من الأكثر مبيعًا عالميًا، لكن «فن اللامبالاة» هو الكتاب الذي جعل اسمه يلمع في كل لغة تقريبًا.
ملخص الكتاب
في عالم يُقاس النجاح فيه بعدد “الإعجابات” والمتابعين، يجيء مانسون ليقول بصوتٍ عالٍ: “توقّفوا! لا يمكنكم أن تكترثوا بكل شيء.”
يبدأ الكتاب بفكرة صادمة: الحياة محدودة، ولن تتمكن من أن تكون كل شيء لكل الناس. ومن هنا يعلّمك فن “اللامبالاة” — ليس بمعنى البلادة أو فقدان الإنسانية، بل اختيار ما يستحق طاقتك، والانسحاب من كل معركة تستهلك روحك بلا جدوى.
يتنقل مانسون بين فصول الكتاب كما لو كان صديقًا قاسيًا لكنه صادق:
يهدم وهم “الإيجابية الدائمة” التي جعلت الناس عبيدًا لشعار “فكّر بإيجابية”.
يذكّرك أن الألم جزء من الحياة، وأن “المعاناة” ليست خطأ في النظام، بل جزء من اللعبة.
يقنعك بأن قول “لا” ليس أنانية، بل شرط للحفاظ على عقلك وقلبك.
الكتاب ليس درسًا في الكسل، بل درس في الانتقائية: أن تعترف بأن وقتك، طاقتك، وقلبك موارد نادرة… وأن تصونها لما يستحق فقط.
ينطلق مارك مانسون من فكرة بسيطة وصادمة في آن: الحياة مليئة بالمشاكل… وسعادتك تعتمد على اختيار المشاكل التي تريد أن تحلّها.
بدلًا من بيعك وهم “التفكير الإيجابي” الذي يزعم أنه يزيل الألم، يقول لك مانسون: “اختر معاركك… ستظل تتألم، لكن على الأقل تألّم من أجل شيء يستحق.”
-لا تحاول
يبدأ بذكر أسطورة “تشارلز بوكوفسكي” — الكاتب الفاشل الذي صار مشهورًا لأنه لم يحاول أن يكون كل شيء، بل قبل نفسه كـ “خاسر” ثم كتب من تلك الزاوية الصادقة، فكانت عظمته في فشله.
القيم الجيدة والسيئة
يعلمنا مانسون أن مشكلاتنا تأتي من القيم التي نحملها. إن كانت قيمك الشهرة أو الثراء أو الكمال… ستظل تعاني لأن هذه القيم خارج سيطرتك. أما إن كانت قيمك الصدق، الالتزام، الإبداع… ستتحمل الحياة بشكل أفضل.
أنت لست مميزًا
صفعة أخرى من مانسون: “العالم لا يدين لك بشيء. لست بطلاً خارقًا. ولن تُخلَّد فقط لأنك موجود.” لكنه يقولها لا ليحبطك، بل ليحررك من عبء التوقعات الكاذبة.
الفشل طريق
يردد: "الفشل هو الطريق إلى التقدم." النجاح لا يأتي بالمعجزات، بل بقبول السقوط ثم النهوض.
الموت الذي يعطي الحياة معناها
يختم الكتاب بفصل فلسفي عميق عن الموت: وعيُك بفنائك هو ما يمنح حياتك قيمة. فلو كنت خالدًا، لفقدت كل تجربة معناها.
فلسفة الكتاب… لماذا ترك أثرًا؟
1. اللامبالاة ليست قسوة
مارك لا يدعونا أن نصبح بلا قلب، بل يدعونا أن نوفر قلوبنا لما يستحق.
إنها ليست لامبالاة بكل شيء… بل لامبالاة بكل ما لا يستحق.
2. مواجهة الألم بدلًا من إنكاره
الكتاب لا يبيعك مخدرات فكرية. يقول لك: “ستتألم، ستخسر، ستسقط… لكن اختيار الألم الصحيح هو أعظم إنجاز بشري.”
3. بساطة اللغة وعمق الفكرة
مانسون يمزج بين الفلسفة القديمة (رواقية سقراط وماركوس أوريليوس) وبين حدة الحياة المعاصرة. النتيجة؟ نصّ يصفعك… لكنك تشكره على الصفعة.
4. ثورة على كتب التحفيز الساذجة
بينما تَعِدك الكتب التقليدية بأن “تبتسم أكثر وستنجح أكثر”، يذكّرك مانسون أن الابتسامة لا تزيل الظلام… لكنها تجعلك ترى طريقك وسطه.
أبرز الاقتباسات
“لن تكترث حقًا بشيء إلا إذا كففت عن الاكتراث بكل شيء.”
“السعادة تأتي من حلّ المشكلات… لا من إنكارها.”
“لا شيء عظيم حدث من دون أن يسبقه ألم.”
“الموت هو الحقيقة الوحيدة… وكل ما عدا ذلك قصص نحكيها لنخفف الصدمة.”
“لن تكون حياتك بلا مشاكل، بل ستكون حياتك مجموعة مشاكل… اختر مشاكل جيدة.”
-“مفتاح حياة أفضل ليس مزيدًا من الأشياء الإيجابية، بل قبول السلبيات والتعامل معها بذكاء.”
-“عليك أن تقول لا لشيء ما، حتى تستطيع أن تقول نعم لشيء آخر.”
“الحياة ستصفعك، لا لتؤذيك، بل لتوقظك.”
لماذا يجب أن تقرأ هذا الكتاب؟
لأنه يعيد ضبط بوصلة حياتك.
لأنه يعلمك أن الهدوء الحقيقي لا يأتي من إنكار الألم… بل من اختيار ألمٍ نبيل.
لأنه كتاب صغير بحجمه… ضخم بأثره؛ ينتهي بين يديك لكنه يبدأ في داخلك.
أفكار لفتتني ولماذا
”المفتاح ليس في الاهتمام بكل شيء… بل في أن تختار ما يستحق الاهتمام.”
لأن هذه الفكرة تُسقط عبءًا هائلًا عن الروح؛ تجعلنا ندرك أن طاقتنا محدودة، وأن إهدارها على كل ما يثير القلق يجعلنا نعيش حياة الآخرين لا حياتنا.
”الألم ليس عدوًا… إنه دليل الطريق.”
هنا يذكّرنا مانسون أن الألم ليس نهاية العالم، بل أداة لفهمه، وأن مواجهة الألم هي التي تصنع النموّ الحقيقي، لا الهروب منه.
”النجاح لا يأتي حين تحاول أن تكون رائعًا طوال الوقت… بل حين تقبل أنك لست رائعًا دائمًا.”
هذه العبارة تهدم أوهام “الكمال السام” الذي تبيعه لنا منصّات التحفيز، وتعيدنا إلى إنسانيتنا البسيطة.
”كل شيء في الحياة ثمنه المسؤولية.”
لأنها تجعلنا نرى أن الحرية الحقيقية ليست أن نفعل ما نشاء، بل أن نختار ما سنحمله من مسؤوليات – ونقبل ثمنها.
الهجوم على “الإيجابية المزيّفة”: لأن مانسون يجرؤ على فضح الكليشيهات التي سمعناها حتى فقدت معناها.
فكرة أن الألم ليس عدوًا بل معلّمًا: لأنه يُعيد تعريف “المعاناة” كشيء يجعلنا نتطور.
الصدق القاسي في الكتاب: لا يُدلّلك ولا يبيع لك الوهم؛ وهذا ما يجعله مختلفًا.
أن اللامبالاة الحقيقية ليست هروبًا: بل “اختيار واعٍ” أن توزّع قلبك على من وما يستحق فقط.
تقييمي الشخصي ولماذا؟
أمنح الكتاب ½ (9/10)
-كتاب يصفع غرورك… لكنه يحررك من أعبائه.
لأنه كتاب مختلف — يوقظك بدل أن يدغدغك.
لأنه يجعلك تضحك أحيانًا من صراحته، ثم تصمت طويلًا أمام جملته التالية.
ربما يخدش أسلوبه القاسي شعور البعض، لكنه خدش ضروري… كأن تكسر المرآة لتواجه وجهك الحقيقي.
الفئة التي تناسبها القراءة
-كل من شعر بالإرهاق من مطاردة “الكمال” في الحياة.
-من غرق في “الإيجابية السامة” ويحتاج إلى صفعة وعي.
-من يريد أن يتعلم أن يقول: “لا”… ليحافظ على نفسه
لمن أثقلتهم نصائح التنمية البشرية “الوردية” حتى أصبحوا أسرى لفكرة النجاح الدائم والابتسامة الإجبارية.
لمن يعيشون في دوامة القلق والمقارنات ويريدون طريقة عملية لفرز ما يستحق الاهتمام.
لمن يبحثون عن فلسفة حياتية بسيطة، لا تعِدهم بالكمال، بل بحياة أكثر صدقًا وأقل زيفًا.
سؤال للنقاش
بعد أن تطوي آخر صفحة، ستسأل نفسك:
كم من الأشياء في حياتي أهتم بها لمجرد أن الآخرين يهتمون؟
وهل أملك الشجاعة لأتوقف عن ذلك… وأختار “اللامبالاة” بما لا يستحق، حتى أبدأ حقًا في الحياة؟
هل يمكن أن نصبح أكثر “إنسانية” إذا تعلمنا أن نكون أقل “اكتراثًا”؟
وهل يمكن لفن “اللامبالاة” أن ينقذنا من ضغط الحياة… دون أن يحوّلنا إلى كائنات باردة؟
ربط الكتاب بواقعنا المجتمعي
في عالم عربي مثقل بالهموم والأزمات، يبدو “فن اللامبالاة” ليس كتابًا غربيًا بعيدًا، بل دعوة ضرورية لنا.
حين تطاردنا الأخبار والمقارنات ووسائل التواصل الاجتماعي، يذكّرنا مانسون أن انتباهك هو أثمن ما تملك… فإياك أن تُهدره على ما لا يستحق.
نحن نعيش في عصر “الاهتمام المفرط”: كل إشعار على الهاتف معركة صغيرة، كل صورة نقارنها بحياتنا جرح جديد. «فن اللامبالاة» يأتي ليضع حدًا لهذا النزيف؛ ليقول لنا إن النجاة ليست في أن نهرب من العالم، بل أن نتعلّم “أن نُصغي إلى الصمت” ونختار: هذا يستحق أن أُقاتل من أجله… وهذا لا.
إنه كتاب لا يخبرك كيف تُغيّر العالم، بل كيف تُغيّر علاقتك به… حتى لا يبتلعك.
حين تطوي آخر صفحة من «فن اللامبالاة»، لن تخرج منه مبتسمًا بسذاجة ولا محطمًا بيأس، بل ستخرج بشيء أعظم: هدوء حقيقي.
ستشعر أن قلبك أخفّ لأنك تركت أشياء لا تهم، وأن نظرتك للحياة أعمق لأنك اخترت أن تهتم بأشياء محدودة لكنها صادقة.
ربما هذا الكتاب لن يغيّر العالم، لكنه قد يغيّر علاقتك أنت بالعالم — وهذه بداية كل تغيير.
وحين تضعه على الرف، ستهمس لنفسك:
“لن أستطيع أن أبالي بكل شيء… لكن سأبالي بشيء واحد حقيقي. وهذا يكفي.”
حين تطوي الصفحة الأخيرة من «فن اللامبالاة»، تشعر كأنك أنهيت حوارًا طويلًا مع صديق صريح لا يجامل. ستبقى بعض جمل الكتاب تطنّ في أذنك مثل ناقوس: “لن تكترث بكل شيء… ولن تنجو إلا إذا تعلمت أن تقول: لا.”
هذا الكتاب لا يمنحك “حلولًا فورية” ولا “وصفات سحرية” للسعادة، لكنه يمنحك شيئًا أهم: شجاعة الاختيار. يذكّرك أن الحرية ليست في أن تلاحق كل شيء، بل في أن تدير ظهرك لما لا يهمّ، وتقول: “هذا ليس معركتي.”
في عالمٍ يُطالبك أن تهتم بكل شيء: بالترند اليومي، بصور الآخرين، بخيباتهم وإنجازاتهم، يأتي هذا الكتاب كخريطة إنقاذ؛ يقول لك إنك لن تحيا حياة كاملة إن لم تتصالح مع فكرة أنك لن تملك كل الأجوبة، ولن تفوز بكل الجوائز، وأن بعض الأبواب يجب أن تُغلق حتى تُفتح أبواب أخرى.
«فن اللامبالاة» ليس عنوانًا للبلادة، بل للسلام الداخلي؛ ليس دعوة للهرب، بل للشجاعة… شجاعة أن تختار ما يستحق قلبك، وأن تصون قلبك عمّا لا يستحق.
حين تغلق الكتاب، ستشعر كأنك أنهيت جلسة علاجية مع صديق لا يرحم لكنه يحبك. لن يمنحك مانسون كل الأجوبة، لكنه سيجعلك أكثر صدقًا في أسئلتك. ستخرج منه أخفّ… ليس لأن همومك اختفت، بل لأنك لم تعد تحمل هموم الجميع.
«فن اللامبالاة» يذكّرك بأن الحكمة الحقيقية ليست أن تهتم بكل شيء، بل أن تعرف “لِمَن” و“لِماذا” تهتم.
وحين تضعه على الرف، ستسمع صوته يهمس لك في المرات القادمة التي تكدّس فيها هموم الآخرين على قلبك:
“تذكّر… أنت لست مضطرًا أن تكترث لكل شيء.”
وحين تعلّق الكتاب على رف مكتبتك، لن تشعر أنه انتهى، لأنك ستجد نفسك في مواقف الحياة تقول فجأة: “هذا ما علّمني إياه الكتاب… أن لا أنزف روحي في كل اتجاه.”
التعليقات الأخيرة