بقلم د/سماح عزازي
حين تقترب من طيبة، يخيَّل إليك أن الأرض قد تنفست فجأة، وأطلقت من صدرها أنفاس آلاف السنين. كل خطوة تخطوها نحوها، هي خطوة خارج حدود الحاضر، ودخول في حرم الأسطورة. هناك، على ضفاف النيل الأزلي، يتوقف الزمن احترامًا، وتنحني الشمس لتقبّل جدران المعابد، وتلقي القمرات ضوءها على أطلالٍ ناطقة. طيبة ليست مدينة تزورها فحسب، إنها رحلة إلى عمق روح الإنسانية؛ بوابة إلى مجدٍ ما زال حيًّا، وإلى ذاكرة لم تخن يومًا من سكنوها. هنا، يتعانق الماضي بالحاضر، وتذوب الفوارق بين الحضارات كما يذوب الذهب في النار ليخرج أنقى وأبهى. هنا، مدينة الصولجان، التي حملت تاج السلطة في يدها، ورفعت راية الخلود فوق أعمدتها، لتغدو أكثر من مجرد مكان: إنها الأسطورة التي كتبت التاريخ بمداد الأبدية.
حين جئت طيبة، شعرت أنني دخلت قلب الأسطورة، وأنّ كل نسمة تحمل عبق آلاف السنين. الأرض هنا ليست أرضًا عادية، بل بسط من الزمن، والسماء ليست سماء عادية، بل سقف مقدس تلمسه القلوب.
هنا طيبة… مدينة الصولجان وعاصمة الأبدية
حين تطأ قدماك أرض طيبة، تشعر أنك لا تدخل مدينة، بل تعبر بوابة أسطورية إلى قلب الحلم، إلى مكانٍ لا يعرف الفناء. على ضفاف النيل الخالد، حيث تتهادى الشمس على صفحة الماء كأنها تبارك الأرض من جديد، يقف الزمن مترددًا: أهو في الماضي أم الحاضر؟ فهنا، في كل زاوية، يلوح طيف فرعونٍ شامخ، أو ظل راهبٍ قانت، أو صدى مؤذنٍ ينادي الناس إلى صلاة. طيبة ليست مجرد مدينة على الخريطة، إنها قصيدة محفورة في الصخر، ملحمة كتبتها الأديان والحضارات بمداد الخلود.
واست… مدينة الصولجان
قبل أن تُعرف بـ"طيبة" أو "الأقصر"، كان اسمها في الهيروغليفية ???????????? – “واست”، ويعني "صولجان الملك". لم يكن هذا الاسم اعتباطيًا؛ فالصولجان كان رمز السلطة والقوة في مصر القديمة، وإطلاقه على هذه المدينة كان إعلانًا أنها مقر الحكم ومصدر الشرعية، ومنها تصدر الأوامر وتُدار شؤون البلاد. من “واست” جاء اسمها الإغريقي Θῆβαι – ثِيباي (Thebes)، ثم تحوّل مع الزمن إلى “طيبة” في العربية، لكن روحها الأولى بقيت شاهدة على أنها كانت مدينة الصولجان… عاصمة الملكوت الأرضي والروحي للفراعنة.
حيث تتعانق المعابد والكنائس والجوامع
في طيبة، مشهدٌ لن تراه في أي مكان آخر: معبد وكنيسة وجامع في مكان واحد. هنا يتجلى التعايش في أبهى صوره، فكل حضارة مرّت تركت أثرها، وكل دين وجد له مكانًا على هذه الأرض المقدسة. شُيّد مسجد أبو الحجاج الأقصري على أطلال معبد فرعوني، فصار رمزًا حيًّا لانصهار الأديان والحضارات في قلب واحد. وفي زوايا المدينة تنتصب كنائس قبطية قديمة، تروي حكايات المسيحية الأولى في مصر، فيما تعانقها المعابد الفرعونية التي تحدثك عن عصورٍ كانت فيها الأرض مقدسة والسماء قريبة.
كرنك… وادي الملوك… ومعابد الخلود
حين تخطو إلى الكرنك، أكبر دار عبادة عرفها العالم القديم، تدرك أن الجدران هنا لا تصمت. الأعمدة الشاهقة تحكي عن رمسيس وتحتمس وأحمس، والنقوش تصوّر انتصارات الملوك وصلوات الكهنة. ومن الكرنك إلى وادي الملوك، ذلك السهل الصامت الذي دفن في جوفه أسرار الملوك ومومياء الأحلام، حيث يرقد توت عنخ آمون في نوم سرمدي تحرسه رسومات النجوم وآيات الخلود. وعلى الضفة الغربية للنيل، يتربع معبد حتشبسوت، تحفة معمارية تروي حكاية الملكة التي تحدّت زمنها وجلست على عرش الرجال.
طيبة… مدينة تسكنك لا تزورها فقط
في طيبة، كل حجر يتحدث، كل عمود يروي قصة، وكل نقش على جدار يقول لك إنك لست سائحًا بل زائرٌ للتاريخ نفسه. هنا، لا يُفاجئك أن ترى المعبد بجوار الكنيسة والجامع، فهذه الأرض علّمت العالم أن السلام ليس شعارًا يُرفع، بل حياةٌ تُعاش. يقف الزمن هنا ساكنًا، لا يكسره إلا حفيف الريح بين الأعمدة، كأنك تسمع همس الملوك وصلوات الكهنة وتسابيح الرهبان وأذان المؤذنين.
وعندما يحين الرحيل عن طيبة، تكتشف أن المغادرة لا تعني الفكاك. فطيبة لا تودّع أحدًا، بل تبقى متشبثة بأرواح زائريها كأمٍّ تحتضن أبناءها. ستغادر جسدًا، لكن قلبك سيظل هناك، على جدارٍ من جدران الكرنك، أو عند ظل عمودٍ في معبد الأقصر، أو في صمت وادي الملوك الذي يحرسه الخلود. ستظل تسمع الهمس: “هنا بدأ كل شيء… وهنا سيعود كل شيء.” طيبة لا تُترك خلفك؛ إنها ترافقك في أحلامك، في حنينك، في نظرتك إلى العالم بعد أن ترى بعينيك كيف اجتمع المعبد والكنيسة والجامع في حضن أرض واحدة، وصار الحجر صلاةً والريح ترنيمة. وحين تبتعد، تدرك أن زيارتك لم تكن نزهة عابرة، بل عهدًا سرمديًا بأنك ستعود… لأن طيبة، ببساطة، مدينة لا ترحل عنك أبدًا.
وعندما تغادر طيبة – إن استطعت أن تغادرها حقًّا – ستكتشف أن المدينة لم تتركك كما جئتها، وأنّ روحها علّقت في قلبك مفتاحًا لا يُنتزع. سترى العالم بعدها بعيونٍ أخرى، وتشعر أن كل مكان تزوره باهتٌ أمام بريق هذه الأرض التي جمعت المعبد والكنيسة والجامع في حضنٍ واحد، وقالت للعالم: هنا السلام… هنا الأبدية. طيبة ليست مدينة تزورها ثم ترحل عنها؛ إنها مدينة تسكنك إلى الأبد، وتترك في روحك ندبة من الدهشة، وخيطًا من الحنين، ووعدًا سرمديًا بأنك ستعود.
التعليقات الأخيرة