بقلم د/سماح عزازي
في زمنٍ صار فيه البريق أسرع من الضوء، يتوهّم الناس أن كل ما يلمع ذهب، وأن كل من يبتسم خلف شاشة يملك العالم بين كفيه. نفتح هواتفنا، فتهاجمنا لايفات صاخبة، هدايا افتراضية تهطل كالمطر، ملايين تتكدّس في ساعات، ووجوه لم نعرفها بالأمس تصير بين ليلة وضحاها “نجومًا”. يصفّق البعض مبهورين، ويتحسّر آخرون على تعب السنين الذي تذروه الرياح أمام “رقصة” أو “مزحة” أو “لايف” فارغ.
لكن، خلف هذا البريق الخادع، حقيقة أكثر قسوة؛ حقيقة تقول إن ما نراه ليس دائمًا حبّ الجمهور ولا كرم الناس، بل مسرحية مُتقنة الإخراج، تُحركها خيوط خفية ووكالات مظلمة، يستخدمها البعض لغسل أموالهم كما يُغسل ثوب متسخ في ماء عكر. كل “أسد” رقمي، كل “تاج” افتراضي، قد يكون غطاءً لمال حرام يبحث عن طريق نظيف إلى البنوك.
إنها هوجة زائفة تُباع للناس على أنها “حقيقة”، بينما هي في الأصل أوهام تُغذّي الجشع، وتزرع في قلوب البسطاء شعورًا بالظلم واليأس. لكن الواجب أن نقولها بصوت عالٍ: ما تراه أعينكم ليس دائمًا ما يحدث حقًا.
في ليلة عابرة، وبينما يقلب الناس شاشات هواتفهم بحثًا عن بعض الترفيه، انفجرت “لايف” سوزي على تيك توك كالصاعقة. في ساعات قليلة، جمعت مليون جنيه، وسط صخب الاحتفالات الافتراضية وضحكات مصطنعة و50% فقط من “نجاح” لم يفهم أحد كيف قيس! المشهد كان أشبه بمسرح هزلي: “الداعم زايد” يرمي 160 أسدًا رقميًا – والأسد الواحد يعادل 30 ألف عملة – لتتطاير القلوب والبالونات على الشاشة، وتتعالى الصرخات: “سوزي كسرت الدنيا!”
لكن خلف هذا المشهد اللامع، يقبع سؤال موجع:
من أين تأتي هذه الأموال؟ ولماذا ينفق البعض بهذه السخاء الغريب؟
الإجابة ليست مجرد “ترند” ولا “مزحة”، بل هي باب خلفي إلى عالم أكبر بكثير مما يبدو، عالم اسمه: “غسيل الأموال عبر التيك توك”.
الوكالات مصانع الترند المزيف
على تيك توك، لا يُولد الترند عفويًا دائمًا. هناك كيانات تُسمّى “الوكالات”، شركات تتولى “تبنّي” بعض التيك توكرز.
تقول للشخص: “نرفعك للترند، نحقق لك الشهرة، ونجعل الهدايا تنهال عليك… لكن نصف ما تجنيه لنا.”
هذه الوكالات ليست مجرد وسطاء، بل مخرجون بارعون لمسرحية رقمية: يصنعون النجم من اللاشيء، حتى لو كان المحتوى تافهًا، المهم أن يجذب العيون ويصنع ضجيجًا.
حكاية الحاج أحمد: غسيل من نوع جديد
هنا يدخل “الحاج أحمد”.
رجل يملك أموالًا طائلة لكنها “غير نظيفة”: مصدرها مشبوه، أو تجارة لا يمكن أن تمر عبر البنوك بسهولة.
ماذا يفعل؟
يتوجه للوكالة حاملاً حقيبة أموال.
الوكالة تأخذ “الكاش” وتحوّله إلى عملات تيك توك، لتبدأ لعبة الهدايا: أسود، ورود، تيجان… كلها تهطل على حساب “التيك توكر” المختار بعناية.
تبدو الصورة وكأن الجمهور “سخي” والنجم “محبوب”، لكن الحقيقة أبعد ما تكون.
بعد انتهاء العرض، تأخذ الوكالة الأموال مرة أخرى من التيك توكر، تعطيه نسبته، ثم تعيد “الأصل” إلى الحاج أحمد عبر حساب بنكي نظيف.
النتيجة؟
أموال قذرة دخلت إلى البنك على أنها “أرباح محتوى”!
ولأن “غسيل الأموال” يحتاج دائمًا إلى غطاء، صارت التيك توكات الغريبة واللايفات الصاخبة مغسلة رقمية متطورة.
المتفرج… الضحية الصامتة
وسط هذا كله، هناك جمهور بسيط يجلس في الظل.
الطالب الذي يقول: “هي جمعت مصاريف سنتين كلية في نص ساعة!”
والأم التي تتساءل: “إحنا نكد ونشقى، وهما يرقصوا ويكسبوا؟”
هذا الشعور بالظلم يزرع الحقد، يُميت الأمل، ويشوّه المعايير. لأن المشهد مزيف بالكامل، لكنه يُباع على أنه “حقيقة”.
الرسالة التي يجب أن نسمعها
الشهرة التي تُبنى على الوهم، تسقط يومًا على رأس أصحابها.
والأموال التي تأتي من الحرام، مهما لمع بريقها، تفوح منها رائحة لا تزول.
الحياة طريقان لا ثالث لهما
طريق الحلال: مليء بالتعب، لكن فيه راحة ضمير وسكينة.
طريق الحرام: يلمع في البداية، لكن نهايته ظلام وثِقل لا يُحتمل.
هذه اللايفات ليست سوى واجهة لقصص أكبر مما نتخيل.
لكن الأكيد أن رزقك الذي كتبه الله سيأتيك، بالحلال، مهما طال الطريق.
اعمل، اسعَ، وتذكّر دائمًا:
“البريق الزائف يخدع العيون، لكن الحق يبقى واضحًا مهما حاولوا إخفاءه.”
في النهاية، سيبقى السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل أن ننخدع بكل ما يلمع على الشاشات: هل هذا هو الواقع… أم مجرّد ستار يخفي وراءه ما لا نراه؟
الهدايا الرقمية التي تُرمى بلا حساب، الملايين التي تُحصد في دقائق، والضحكات التي تبدو بريئة… ليست إلا خيوطًا في شبكة أكبر من اللايف نفسه، شبكة تنسجها أيدٍ تعرف جيدًا كيف تخدع البصر وتسرق العقول.
الشهرة التي تأتي بلا جهد حقيقي، والمال الذي يجيء بلا عرق، ليسا إلا سرابًا. والسراب – مهما ركضنا خلفه – لا يُروي عطشًا.
تذكّر دائمًا:
هناك بريق يبهرك لكنه زيف، وهناك تعب يُرهقك لكنه حلال ويُضيء طريقك.
فالْزم طريق الحلال مهما طال، وابتعد عن كل وهم يصوّر لك أن المجد يُشترى برقم أو هدية أو ترند عابر… لأن الحقيقة – مهما أخفوها – تظل أثقل من كل أوهامهم.
التعليقات الأخيرة