add image adstop
News photo

رحيل لطفي لبيب… صوت البهجة الذي غاب وجهاً وبقي أثراً

 

 

بقلم د/سماح عزازي 

 

في صباحٍ غائمٍ من يوليو، بدا وكأن القاهرة أطفأت أنوارها احترامًا لروحٍ أقلعت بهدوء نحو السماء.

المدينة التي اعتادت ضحكته وصوته الدافئ، وقفت فجأةً على أعتاب الحزن حين جاءها الخبر: لطفي لبيب رحل.

لم يكن الخبر مجرد سطر في شريط الأخبار أو تغريدة عابرة، بل زلزالاً ناعماً هزّ ذاكرة الفن المصري، وأيقظ في القلوب صوراً من الضحكات القديمة، وحواراتٍ صادقة، ومشاهد لم تبرح ذاكرة السينما والدراما.

 

كان لطفي لبيب أكثر من ممثل؛ كان مشهداً حيّاً لمصر نفسها: ابن الريف الذي حمل دفء قريته إلى خشبة المسرح، الرجل الذي تأخرت بدايته فصار مثلاً في الصبر والإصرار، الوجه الذي لا يحتاج إلى بطولةٍ مطلقة كي يملأ الشاشة حضورًا.

كل دورٍ أدّاه كان مزيجًا من بساطة الحكيم، وعمق الفيلسوف، وخفة الظل التي لا تتكلف، فترك إرثًا فنيًا يتجاوز عمر الأفلام والمسلسلات.

 

اليوم، ونحن نودّع هذا الرجل الذي ضحكنا معه قبل أن نبكي عليه، نجد أنفسنا أمام سؤالٍ أكبر:

هل حقًّا يرحل الفنانون؟

أم أن حضورهم يتحوّل إلى ذاكرةٍ جماعية تُروى للأجيال، فيظلّون أحياء كلما أُعيد مشهدٌ أو ترددت جملة أو انطلقت ضحكة من قلب حزين؟

 

في صباحٍ هادئ من صيف القاهرة، الموافق الأربعاء 30 يوليو 2025، انطفأ ضوءٌ من أضواء الفن المصري، وغادر الفنان الكبير لطفي لبيب هذه الدنيا عن عمر ناهز السابعة والسبعين. لم يكن رحيله خبراً عابراً في نشرات الأخبار ولا مجرد سطرٍ على مواقع التواصل، بل كان وجعاً جماعياً، وألماً صامتاً أصاب جمهوراً عرفه فناناً صادقاً، وبسمةً دافئة تليق بمصر التي أحبّها وأحبّته.

 

 وداع هادئ لرجلٍ صاخب بالفن

أعلنت نقابة المهن التمثيلية برئاسة الدكتور أشرف زكي الخبر الحزين، مؤكدة أن لبيب فارق الحياة في أحد مستشفيات القاهرة بعد معاناة طويلة مع نزيفٍ حاد في الحنجرة، تبعه تدهور في حالته التنفسية، ليغيب عن الوعي وتشتد عليه الأزمة حتى أسلم الروح.

دخل لبيب غرفة العناية المركزة منذ 13 يوليو، وأغلقت أبواب الزيارة عنه لحماية جسده المنهك، ورغم إشارات طمأنة مؤقتة عن تحسّن حالته، عاد المرض ليحسم الجولة الأخيرة.

 

وأعلن مدير أعماله أن الجنازة ستشيّع الخميس من كنيسة مار مرقس بمصر الجديدة، بحضور أهله ومحبيه وزملائه الذين سيحملون نعشه محمّلين بذكريات آلاف المشاهد التي علقت في القلوب قبل العيون.

 

 حياة بدأت متأخرة… لكنها اشتعلت طويلاً

وُلد لطفي لبيب في 18 أغسطس 1947 بمدينة دمياط، ولم يكن طريقه إلى الفن مفروشاً بالورود. خدم في الجيش فترة طويلة، ثم عمل وسافر، قبل أن يعود شاباً في عقده الرابع إلى المعهد العالي للفنون المسرحية ليبدأ مسيرة استثنائية تأخرت كثيراً لكنها عوّضت الوقت الضائع بعطاء غير مسبوق.

 

قدم لبيب أكثر من 380 عملاً فنياً في السينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة، ليثبت أن النجومية لا تُقاس بعدد البطولات المطلقة، بل بقدرة الفنان على ترك بصمة لا تُمحى. كان الظلّ الذي لا يُشبه سواه، والدور الثاني الذي يتقدم على الأول في الذاكرة.

 

في السفارة في العمارة أضحكنا بذكاء، وفي مرعي البريمو وخيال مآتة رافقنا بإنسانيته، وعلى خشبة المسرح أضاء مساحات لم تطفأ. وحتى الإعلانات والبرامج الإذاعية حملت توقيعه المحبب.

 

 المرض والاعتزال… مسرح آخر بلا أضواء

منذ عام 2017، واجه لبيب جلطة دماغية أثرت على نصفه الأيسر، فأرهقت جسده لكنها لم تسرق ابتسامته. ومع تقدّم العمر، باغته ورم في الحنجرة أرهق صوته وأجبره على التراجع عن الأدوار التي أحبّها، ليعلن في لحظة صريحة أمام جمهوره:

«أنا صوتي تعبان… جالي ورم في الحنجرة… لازم أشيله فوراً».

 

كان الاعتزال بالنسبة له مسرحاً آخر بلا أضواء، لكنه ظلّ حاضراً في وجدان جمهوره، يطلّ عبر الأرشيف الذي لا يشيب. ومع أن مقربين نفوا إصابته بورم صلب وأكدوا أنه التهاب حاد في الأحبال الصوتية، إلا أن حالته الصحية تدهورت تدريجياً حتى خفت صوته إلى الأبد.

 

 إنسان قبل أن يكون فناناً

لم يكن لطفي لبيب مجرد ممثل، بل إنسانٌ يفيض دفئاً. رفض أدواراً رأى أنها تخدش قناعاته أو تمسّ قيمه، وبقي صادقاً مع ذاته ومع فنه حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن يطلب البطولة، بل كان البطل الحقيقي خلف الكواليس؛ يزرع البهجة، يترك مساحة للآخرين، ويمضي في هدوء.

 

أشاد به زملاؤه بعبارات تفيض حباً، فقال عنه النقيب أشرف زكي: «وداعاً صاحب البهجة». وصفه الجمهور بأنه صوت الضحك الرزين ووجه الطيبة المصرية، وامتلأت مواقع التواصل برسائل عزاء تنبض بالحنين.

 

 إرث لا يصدأ

برحيل لطفي لبيب، فقد الفن المصري ركناً من أركان مدرسة الأداء الطبيعي؛ تلك التي لا تتكلف، لا تصرخ، ولا تتزين بما ليس فيها. ترك لنا دروساً في الإصرار على البساطة، في أن الدور الصغير قد يكون بحجم البطولة إذا أدّيته بصدق.

 

رحل الجسد، لكن صوته سيظل يتردد في آذاننا، وضحكته ستبقى تُطلّ من مشاهد السينما، وروحه ستظل حاضرة كلما تذكرنا أن الفن حياة ممتدة، وأن بعض الوجوه لا تعرف الغياب مهما توارى أصحابها.

 

حين يغيب الكبار تبقى الحكاية

لم يكن لطفي لبيب نجم شباك، لكنه كان نجم القلوب. لم يسع وراء الأضواء، لكنها لحقت به حيثما ذهب. اليوم، ونحن نودّعه، ندرك أن وداعه ليس سوى بداية فصل جديد من حضوره، فصلٍ نكتبه نحن كلما ضحكنا على مشهد قديم، أو استعدنا كلماته في فيلم أحببناه.

 

رحل لطفي لبيب، لكن ضحكته لم ترحل.

غاب الجسد عن الأرض، لكن روحه ما زالت تسكن بيننا، في شوارع القاهرة، في مقاهي دمياط، في ملامح كل مشهد أحببناه. لم يتركنا فنانًا فحسب، بل تركنا أصدقاءه على الدوام؛ نحن جمهوره الذي تعلّم منه أن الفن ليس صخبًا ولا ادعاء، بل صدقٌ يخرج من القلب فيصل إلى القلب.

 

حين يرحل الكبار، لا نودّعهم حقًا، بل نستبدل حضورهم المادي بحكايةٍ نرويها عنهم؛ نصبح نحن امتدادهم، شهودًا على زمنهم، ورسلاً لأثرهم الذي لا يزول.

هكذا سيبقى لطفي لبيب:

سيطلّ من شاشة تلفاز في بيتٍ دافئ، ومن مسرحية قديمة في ليلة شتوية، ومن إعلان بسيط رسم ابتسامةً ذات يوم.

 

سلامٌ عليك أيها الفنان الكبير…

سلامٌ على كل مشهدٍ ضحكنا فيه، وكل عبارةٍ بقيت عالقة في ذاكرتنا، وكل لحظة إنسانية منحتها لنا.

لن نقول وداعًا، لأن أمثالك لا يُودَّعون، بل يُخلَّدون.

ستظلّ يا لطفي لبيب بهجة الفن المصري، وصوتها الذي لا يعرف الصمت، حتى لو غاب صاحبه في صمت الأبدية.

 

سلامٌ عليك يا لطفي لبيب…

يا وجه البهجة المصرية، وصوتها الدافئ، الذي غاب جسداً، لكنه باقٍ أثراً في وجدان وطن بأكمله.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى