add image adstop
News photo

نورزاد… زهرة العمر التي ذبلت على سرير الإهمال

 

 

بقلم د/سماح عزازي 

 

في كل عصرٍ من عصور البشر، كانت هناك حكايات تصنع منعطفًا في الوعي الجمعي، قصص تهزّ وجدان الناس وتدفعهم لإعادة النظر في أبسط المسلّمات. ومؤخرًا، خرجت إلى السطح قصة فتاة لم تكن يومًا بطلة في صفحات الجرائد، ولم تسعَ للظهور أو الشهرة، لكنها تحوّلت بعد رحيلها إلى رمزٍ للأمل المهدور و الأمان المفقود.

هي حكاية نورزاد محمد هاشم، المهندسة الشابة التي دخلت المستشفى بابتسامة واثقة، تحلم بيوم جديد مليء بالحياة، فخرجت منه جثمانًا ساكنًا يحمله الحزن والذهول. لم تكن مأساتها مجرّد خبر عابر أو حادث طبي عادي، بل كانت مرآةً عكست وجوهنا جميعًا: خوفنا من غياب المسؤولية، وجُرحنا القديم مع الإهمال الذي يتكرّر، وصوتًا صاخبًا يسأل: كم من الأرواح يجب أن تُزهق قبل أن ندرك أن حياة الإنسان ليست تفصيلًا في أوراق الإجراءات؟

 

هذه ليست قصة “خطأ طبي” يمرّ في الأخبار كغيره، بل قصة “إهمال” صريح، انكشفت خيوطه في تفاصيل مؤلمة؛ فتاة في عمر الزهور، تدخل المستشفى لإجراء منظار روتيني، فتخرج منه معلّقة بين الحياة والموت. قصة جعلت قلوب الآباء ترتجف، ودموع الأمهات تنهمر، وأطلقت في كل ضمير حيّ سؤالاً لا يُسكت: هل فقدنا القدرة على حماية أبنائنا حتى في الأماكن التي يفترض أن تكون الأَكثر أمانًا؟

 

في زمنٍ باتت فيه قلوب الناس مُثقلة بالحكايات، خرجت من بين صمت الجدران البيضاء قصةٌ أدمت القلوب وأيقظت الضمائر. قصة المهندسة الشابة نورزاد محمد هاشم؛ زهرة في مقتبل العُمر، حلمت بمستقبلٍ مشرق، فإذا بالحلم ينكسر على أعتاب غرفة عمليات، وبأن يكون الأمل الذي دخلت به المستشفى هو ذاتُه ما أطفأ حياتها.

 

 عروس الأحلام التي لم تكتمل

في الثالثة والعشرين من عمرها، كانت نورزاد مثال الفتاة التي تحيا بالأمل. درست، عملت، وحملت في قلبها أحلامًا كبيرة. في صباح 23 يونيو، ذهبت إلى المستشفى مطمئنة، فهي لم تدخل لإجراء عملية معقدة أو مغامرة كبرى؛ كل ما في الأمر كان تركيب دعامة بالقناة المرارية بالمنظار — إجراء يُعدّ روتينيًا في لغة الأطباء. لكنها لم تكن تعلم أن باب غرفة العمليات سيغلق وراءها، وأن عالمها لن يُفتح بعدها على الحياة كما كان.

 

 منظار يتحوّل إلى كارثة

أثناء العملية حدث ما لم يكن في الحسبان: ثقبٌ في الإثني عشر. ثقبٌ صغير في الجسد لكنه كبير في نتائجه؛ إذ تسرب ما لا يجب أن يتسرب، وانتشرت السموم في البطن. عرفت الأسرة مبكرًا أن ثمة خطرًا يهدد حياة ابنتهم، لكن الوقت الذي كان يمكن أن ينقذها ضاع بين أروقة الإهمال.

 

 ساعات الانتظار القاتلة

مرّ يومان كاملان على الحادثة دون تدخل عاجل يوقف التدهور. وفي عالم الطب، يومان قد يفرّقان بين الحياة والموت. عندما استُدعي طبيب خارجي بعد فوات الأوان، قال كلمته الصادمة: “حياتها في خطر”. أُجريت عملية تصحيحية، ونجحت نسبيًا، لكن جسد نورزاد كان قد بدأ يفقد قدرته على المقاومة.

 

 الطريق إلى الغيبوبة

بعد العملية الثانية بدأت أعراض اختناق، وظهرت على وجهها علامات إنذار لا تخطئها عين. الأطباء ترددوا، بعضهم اكتفى بالملاحظة، وآخرون تذرعوا بأن لا داعي “للمبالغة”. لكن الإهمال الطبي ليس سوى انحدار متدرّج نحو الهاوية.

 

في 6 يوليو، توقف قلب نورزاد. 45 دقيقة كاملة ظل قلبها صامتًا قبل أن يعود للنبض. 45 دقيقة كانت كفيلة بأن تُطفئ النور في خلايا المخ. دخلت غيبوبة كاملة، لم تصحُ منها، وصارت بين الحياة والموت إلى أن أسلمت الروح في 22 يوليو.

 

 ردّ وزارة الصحة

القصة لم تمرّ بهدوء. وزارة الصحة المصرية سارعت إلى تشكيل لجنة تحقيق، جمعت التقارير الطبية وسجلات العمليات، وأكدت أنها ستتعاون مع النيابة العامة للوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المقصّرين إن وُجدوا. لكن لجنة التحقيق، مهما بذلت، لن تُعيد الروح إلى جسد الفتاة، ولن تجبر قلبًا انكسر.

 

 أثرٌ يتجاوز الحادثة

قصة نورزاد تحولت إلى قضية رأي عام. لم تعد مجرّد مأساة خاصة، بل صرخة في وجه الإهمال الذي يسرق الأرواح من بين أيدينا. على مواقع التواصل، في البيوت، في المستشفيات الأخرى، تردّد اسمها مثل جرس إنذار: كم “نورزاد” أخرى سنفقد قبل أن نفيق؟

 

أكثر من خطأ طبي

الجميع تساءل: هل ما حدث كان خطأ طبيًا؟ أم كان جريمة إهمال؟ الفرق بين الخطأ والإهمال كالفرق بين عثرةٍ على الطريق وحفرةٍ تُترك مفتوحة عمدًا. نورزاد لم تمت بسبب العملية، بل بسبب غياب الرعاية في الوقت المناسب، بسبب استهتار في دقائق أنقذت قبلها أرواحًا كثيرة، لكنها اليوم سرقت واحدة.

 

نورزاد… وجعٌ ووصيّة

رحلت نورزاد، لكن قصتها لم ترحل. تركت وراءها سؤالًا كبيرًا: هل صارت المستشفيات التي نلجأ إليها للشفاء مكانًا نخشى أن نفقد فيه أحبّتنا؟

ربما تُظهر التحقيقات الحقيقة كاملة، وربما تُفتح الملفات وتُعلن القرارات، لكن شيئًا واحدًا لا يقبل الجدل: أن نورزاد محمد هاشم لم تكن مجرد فتاة رحلت… كانت رسالة حيّة تقول إن الحياة أغلى من أن تُترك في يد الإهمال، وإن العدالة لا يجب أن تتأخر، لأنها إن تأخرت صارت كالمشرط الذي يصل بعد أن تكون الحياة قد غادرت الجسد.

 

حين تنتهي القصة في الأوراق الرسمية، ويُكتب في ملف التحقيق “وفاة” أو “إغلاق القضية”، يبقى هناك ما لا يُكتب: وجع أمّ لم تجف دموعها، و أحلام فتاة توقفت فجأة، وصوت داخلي يلاحقنا جميعًا: “أيعقل أن يتحوّل المستشفى إلى محطة أخيرة، بدل أن يكون بداية للشفاء؟”.

رحلت نورزاد، لكن اسمها صار أشبه بصرخة متكرّرة في كل بيت، في كل شارع، على كل منصة: صرخة تقول إن العدالة لا يجب أن تكون بطيئة، وإن الأرواح التي تزهق بالإهمال ليست أرقامًا تُحصى، بل هي قصص، أحلام، ومستقبل.

 

إن رحيلها لم يكن مجرّد حادثة، بل وصيّة ثقيلة على المجتمع بأسره: أن نعيد بناء الثقة في منظومتنا الصحية، أن نحاسب المقصّرين بلا مجاملة، أن نرفع قيمة حياة الإنسان فوق كل اعتبار.

ولعلّ أعظم وفاءٍ لذكراها أن تتحوّل قصتها من مأساة إلى نقطة تحول، ومن دمعة إلى إصلاح، كي لا نكتب غدًا عن “نورزاد” أخرى… في مكان آخر… وبألم جديد.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى