بقلم د/سماح عزازي
لم تكن السماء فوق أديس أبابا في ذلك الصباح إلا لوحةً من الغضب المكتوم، لكن الغضب سرعان ما تحوّل إلى فعل. تراكمت الغيوم كأنها جيشٌ من الظلال الثقيلة، ثم أطلقت جنودها من المطر في هجومٍ مباغت على المدينة التي تباهت لسنوات بأنها “قلب إفريقيا النابض” وصاحبة أكبر مشروع مائي في القارة – سد النهضة – الذي أرادت به أن تفرض وصايتها على مجرى النيل.
جاءت السيول لتكتب الحقيقة بلا تجميل: مدينة تُشيد سدًّا عملاقًا لتتحكم في مياه غيرها، بينما تغرق شوارعها في أول عاصفة. لم تمنح السماء سكان العاصمة حتى رفاهية الخوف البطيء؛ جاءت فجأة، كأن يدًا سماوية قررت أن تغسل الأرض في لحظةٍ واحدة، لتسأل بصوت الطبيعة:
"أين سدكم الآن… ولماذا لم يحبس عنكم هذا الطوفان؟"
العاصمة التي ابتلعها المطر
في محيط فندق جيون وما جاوره، تحولت الشوارع إلى أنهار طينية، تندفع بجنون لا يُقاوم. السيارات صارت قوارب تتقاذفها الأمواج، والمارة عالقون بين خيارين أحلاهما مُرّ: إمّا التشبث بجدران مائلة أو الانجراف مع التيار. لم يكن المشهد مجرد أمطار موسمية؛ كان كشف حساب بين مدينة فقدت توازنها وطبيعة تذكّر الجميع أن سلطتها لا تُنازع.
بنية تتصدّع أمام أول اختبار
التقارير المحلية كانت تصرخ منذ شهور: هناك 247 موقعًا في أديس أبابا مهددًا بالفيضانات. لكن الحكومة الإثيوبية، المشغولة بالتفاخر بالسد وبالضغط على مصر والسودان، تجاهلت صوت الخبراء. وحين جاءت الأمطار، انكشفت المدينة بلا دفاعات. لم تصمد المصارف ولا البنية التحتية، وسقطت “أيقونة إفريقيا” في أول امتحان حقيقي.
تحذيرات تجاهلها الجميع
قبل أسابيع، أعلن مركز التنبؤات المناخية أن موسم أمطار kiremt سيكون فوق المعدلات. لكن المسؤولين كانوا أكثر انشغالًا بتفاخرهم بالسد وبالتهديد بتقليص حصص النيل، من أن يُجهزوا شوارعهم لأمطار مدرّعة. فجاء الفيضان كصفعة على وجه الغرور: سد يحبس مياه الآخرين… لكنه لم يحبس دمعة من السماء.
وجوه المأساة
في حيّ Goro وأطراف Addis Ketema، انكسرت البيوت الطينية كقطع كرتون، وتشردت العائلات في لمح البصر. الأمهات حملن أطفالهن إلى أسطح مائلة، والوجوه صارت علامات استفهام على جدار الكارثة. لم يكن الفيضان مجرد مشهد طبيعي؛ كان درسًا سياسيًا صارخًا يقول:
من لم يحكم بيته، لا يحق له أن يحكم النيل.
الرسالة القاسية
أديس أبابا أرادت أن تُمسك برقاب الأنهار، فجاء المطر ليذكّرها بأنها لا تمسك حتى برقبتها. تغير المناخ لا يُجامل، والسيول لا تعرف الكبرياء. ومشهد العاصمة الغارقة اليوم، يكفي ليقول للعالم كله: من يغامر بمصائر شعوب ويدّعي السيطرة على الماء… سيبتلعه الماء في أول فرصة.
انحسرت الأمطار، لكن أثرها لم ينحسر. بقيت أديس أبابا متعبة، مبللة، كأنها عروس خرجت من طوفان عرسٍ حزين. ترك الفيضان طرقًا ممزقة، بيوتًا خاوية، وأحلامًا أكبر من أن تُغسل لكنها غُسلت. لقد جرفت مياه المطر ليس الشوارع فقط، بل غرورًا سياسيًا تعاظم حتى ظن أنه يسيطر على نهر النيل.
الطبيعة، في لحظات غضبها، لا تُهادن. تطرق الباب مرة واحدة، فإن لم تجد من يفتح لها بالعقل والتخطيط، ستقتحم المدينة عنوة، كما فعلت في أديس أبابا. واليوم، تُترك العاصمة الإثيوبية أمام سؤالها الكبير:
هل ستظل مدينة تغرق في كل مطر، بينما تبني سدًا تزعم أنه يُسيطر على النيل؟
لقد قالت السماء كلمتها، ودوّى صداها في الأحياء المنكوبة:
“من لا يتهيأ للغضب… سيغرق في أول دمعة تهطل من السماء.”
التعليقات الأخيرة