add image adstop
News photo

مجاعة غزة... حين صار الخبز حلمًا، والموت جوعًا

 

 

بقلم د/ سماح عزازي

 

في الزمانِ الذي صارت فيه الحياةُ تُقاسُ بوزن الأرغفة، وفي المكان الذي صار فيه الطفلُ يحلمُ بقطعةِ خبزٍ أكثر من حلمه بلعبة، هناك في بقعةٍ من هذا العالم تُدعى غزة، تُكتبُ ملحمةُ الجوع لا بالحبر، بل بالدموع والعرق والأنين.

 

في غزة، لا تشرق الشمس كما تشرق في بقية المدن، بل تخرج متثاقلةً من خلف غيوم الحصار، لتلقي ببعض خيوطها الشاحبة على وجوهٍ هزيلة، وأجسادٍ تنحني تحت وطأة الفاقة، وقلوبٍ تمزقها الأسئلة التي بلا إجابة:

"متى سنأكل؟"

"هل من حليب لطفلي؟"

"هل سيموت أبي الليلة جوعًا؟"

 

في غزة، تتوق الأرواح إلى الحياة، لكن الحياة هناك لا تأتي. تُغلق الأبواب في وجه الماء والغذاء والدواء، وتُفتح في وجه الموت.

في غزة، لا تسير الأيام على توقيت البشر، بل على توقيت الجوع، توقيت الغارات، توقيت البكاء المتواصل.

وهناك، عند مفترق الألم، تنبت الحكاية:

حكاية أمعاءٍ فارغة، قلوبٍ محروقة، عيونٍ لا تبكي لأنها جفّت من البكاء.

 

غزة اليوم ليست عنوانًا سياسيًا، بل نداءً إنسانيًا مبللًا بالوجع، مختومًا بأصابع الأطفال وهم يمدّون أياديهم النحيلة صوب الهواء، لعلّه يسدّ رمقًا أو يشبع سرابًا.

 

في غزة، لا تُقرع طبول الحرب فقط، بل تُقرع معها بطون الأطفال الخاوية، وتئنّ معها الأمعاء الخاوية التي تنحت صدى الغياب في وجوه النحيلين. في غزة، لا يبحث الناس عن كماليات الحياة، بل عن فتاتها. لم يعد السؤال: "ماذا نأكل؟" بل "هل سنأكل؟"... وفي كثير من الأحيان، تأتي الإجابة بصمتٍ قاتل، يُكتب على شكل شهادة وفاة.

 

المدينة التي أكلها الحصار

غزة ليست مجرد اسم على الخارطة، ولا مجرد عنوان لخبر عابر على شريط القنوات. إنها الجرح المفتوح في خاصرة الإنسانية. منذ بدء العدوان في أكتوبر 2023، ومع تصاعد آلة الحرب في 2024، دخل قطاع غزة في نفقٍ مظلمٍ من الجوع، حتى صار الخبز أثمن من الذهب، والماء أندر من المطر.

 

المعابر أُغلقت، والمساعدات شُلت، والإمدادات الطبية والغذائية انقطعت. وها هو الجوع ينخر الجسد الغزي مثل سوسٍ خفي، لا يُرى بالعين، لكن أثره بادٍ على الوجوه: وجوهٌ شاحبة، عيونٌ غائرة، أطفالٌ بعظامٍ ظاهرة، وأمهاتٌ عاجزاتٍ عن الإرضاع لأنهن لم يأكلن منذ أيام.

 

أرقام تتكلّم... لكنها لا تصرخ بما يكفي

بحسب تصنيف الأمن الغذائي العالمي (IPC)، فإن أكثر من 470,000 شخص في غزة يعيشون في المرحلة الخامسة من الجوع، وهي مرحلة "الكارثة"، أي مجاعة فعلية. فيما يُقدّر أن 93% من سكان القطاع، أي ما يقرب من 1.95 مليون إنسان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

 

تُشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إلى أن سعر كيس الدقيق ارتفع بنسبة 3000٪، حيث بلغ ثمن الكيس الواحد قرابة 500 دولار، بينما لا يتجاوز دخل أغلب العائلات بضعة دولارات شهريًا.

 

أطفالٌ يشبهون الأشباح

في غزة، لم يعد وزن الطفل يُقاس بالعافية، بل بالنجاة. الطفل "محمد زكريا عيّوب" وُلد كغيره من أطفال العالم، لكنه اليوم يبدو كرضيعٍ في الشهر الثالث رغم تجاوزه العام. صورته، التي تصدرت وسائل الإعلام، لم تكن مجرد مأساة شخصية، بل عنوانًا صارخًا لجريمة جماعية.

 

أكثر من 71,000 طفل دون الخامسة مهددون بالموت جوعًا، و17,000 امرأة حامل أو مرضعة يعانين من سوء تغذية حاد، في ظل غياب الحليب والعلاج وحتى الملاذات الآمنة.

 

القطاع الصحي... جبهة تنهار في صمت

في وقتٍ لا صوت فيه يعلو على صوت القذيفة، هناك أصوات تُختنق خلف جدران المستشفيات: صوتُ ممرضةٍ لم تأكل منذ يومين، لكنها تصرّ على البقاء؛ صوتُ طبيبٍ يحمل رضيعة بين يديه، يعرف أنها ستموت لأنه لا يملك حليبًا أو مصلًا أو حتى سريرًا.

 

من أصل 35 مستشفى، لم يبقَ سوى 8 تعمل بشكل جزئي، بينما البقية خرجت عن الخدمة بسبب القصف، أو انقطاع الكهرباء، أو نفاد الإمدادات. في هذه المستشفيات، يموت الناس ليس بسبب الجرح، بل لأنهم جاعوا حدّ الموت.

 

المساعدات... شِراك الموت في ثوب النجاة

لم يعد مشهد استشهاد المدنيين مقتصرًا على الجبهات، بل بات يُرى عند نقاط توزيع المساعدات. في شهرين فقط، قُتل أكثر من 1,000 شخص، وأصيب 7,200 آخرين أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء، بحسب تقارير أممية. المجازر لا تقع فقط داخل البيوت، بل على أبواب الكرامة، حين يمدّ الإنسان يده بحثًا عن لقمة، فتخترق صدره رصاصة.

 

الزراعة ماتت، والماشية نُهبت

قطاع غزة، الذي كان يزرع ويُنتج رغم الحصار، صار اليوم أرضًا قاحلة. أكثر من 70٪ من الأراضي الزراعية تم تدميرها أو منع الوصول إليها. المزارعون هجروا حقولهم، لا لأنهم استسلموا، بل لأنهم لم يعودوا يجدون طريقًا إليها.

 

الغنم، الذي كان يومًا يدرّ الحليب على الأطفال، صار يُباع في السوق السوداء، أو يموت جوعًا هو الآخر.

 

وجوهٌ من لحم ووجع

لو قُدّر لك أن تسير في شوارع غزة اليوم، سترى ما يشبه مشاهد "آخر الزمان": أطفالٌ يسيرون وهم يتمايلون من الضعف، وجوهٌ بلا لون، أجسادٌ كأنها خرجت من بين ضلوع المقابر. أحد مسؤولي الأمم المتحدة وصفهم بـ"الجثث المتحركة"، ولم يكن في وصفه مبالغة.

 

كلمات لا تكفي... لكن الصمت خيانة

لا يمكن لأي قلم، مهما بلغ صدقه، أن يكتب ألم أمٍّ ترى طفلها يموت جوعًا، ولا تملك سوى أن تحضنه. لا يمكن لأي تقرير أن ينقل رعشة يد رجلٍ لم يأكل منذ أيام، ويقف في طابور طويل من أجل كيس عدسٍ صغير.

 

المجاعة ليست "خبرًا عاجلًا" في نشرة المساء، بل لعنة مستمرة، ومجزرة بطيئة، وموتٌ صامت لا تُسمع صرخاته.

 

العالم يتفرّج... وغزة تنزف

بينما تُحاصر غزة من كل الجهات، يُحاصر الضمير العالمي نفسه بالصمت. المنظمات الإنسانية تصرخ، لكنها لا تُمنح تصاريح الدخول. القوافل تُحتجز، والمفاوضات السياسية تطغى على الأرواح الهزيلة.

 

أصبح رفع الحصار "مسألة تفاوضية"، بينما جثث الأطفال تُدفن بلا أكفان، وأحلام الأمهات تُقبر مع أبنائهن.

 

 نداء من بطن الجوع إلى قلب العالم

في غزة، لا يريد الناس الكثير. لا يطلبون رفاهية، ولا ينادون بمسرّات. إنهم فقط يريدون أن يعيشوا. يريدون أن يأكلوا. أن يشربوا. أن ينجوا. أن لا يموتوا وهم أحياء.

 

المجاعة ليست قضاءً إلهيًا، بل عقوبة جماعية. وإن لم تتحرك الضمائر، وإن لم يرتفع الصوت الإنساني في وجه هذا الصمت، فستكون الإنسانية كلها شريكة في هذه الجريمة.

 

ما يحدث في غزة الأن ليس مجرّد جوع،

 بل خيانة كاملة للإنسانية.

ليس مجرّد حصار، بل انتهاك صارخ لكل معنى نبيل في القيم البشرية. إنها ليست مأساة فُجائية، بل عقوبة جماعية تُنفّذ على مرأى ومسمع من عالمٍ أصمّ، يتفرّج على الطفولة وهي تُحتضر، وعلى الأمهات وهنّ يئِدن أبناءهنّ بدموع العجز.

 

في غزة، لم تعد المجازر تُقاس بالصواريخ فقط، بل بكيس الطحين، بحبة الدواء، بكوب الماء. وفي غزة، يُقتل الإنسان مرتين: مرةً بالقصف، ومرةً بالتجويع البطيء الذي ينسف الكرامة قبل أن يُزهق الروح.

 

أيّ عالمٍ هذا الذي يغمض عينيه أمام مشهد أمّ تُرضع طفلها من ماء الأمل فقط؟

أيّ ضميرٍ هذا الذي لا يهتزّ حين يرى شيخًا يتهاوى على الأرض لأنه لم يذق شيئًا منذ أيام؟

أيّ عدلٍ في عالمٍ يموت فيه الأطفال لأن الحليب "محظور"، والدواء "ممنوع"، والخبز "سلعة تهريب"؟

 

إنّ التاريخ سيسجّل يومًا أن غزة لم تجُع لأن الأرض عاقر، بل لأن العالم كان أغلق فمه حين كان يجب أن يصرخ، وأدار ظهره حين كان عليه أن يمدّ يده.

 

لا تنتظروا أن تنتهي المجاعة حتى تكتبوا الرثاء، ولا تنتظروا أن يُرفع الحصار لتُعلّقوا الشهادات.

فالغزيّون لا يريدون شهادات شفقة، بل شرف التضامن.

لا يريدون كلمات مواساة، بل قوافل كسر الجوع.

 

غزة اليوم تصرخ من تحت الرماد... تصرخ باسم الحياة.

فهل يسمع العالم هذا النداء...

أم أن الضمائر قد شبعت، بينما غزة تموت من الجوع؟!

 

فيا من تقرأ، لا تجعل هذا النص مجرد مقال عابر. اجعله مرآة ترى فيها الضمير، وصرخة تُوقظك من سبات الاعتياد.

 

غزة تجوع، فهل من مُغيث؟!

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى