بقلم د/ سماح عزازي
في عالم يزداد ضجيجه يومًا بعد يوم، ويضيق صدره بالأنانية والخذلان، يصبح العثور على قلوبٍ صادقة ضربًا من الحلم. نبحث عن المعجزات في الكتب، وننتظر الأبطال في نشرات الأخبار، بينما تمر بجوارنا حكايات من ذهب، تُخيط تفاصيلها من الصبر، وتُطرّز أطرافها بالرحمة، وتختبئ في زوايا الحياة البسيطة، حيث لا تصِل الكاميرات، ولا تكتب الأقلام.
هناك، في قرية نيجيرية وادعة، بعيدًا عن ضجيج المدن وسراديب السياسة، عاشت امرأة… قد لا يحمل اسمها شهرة النجوم، لكن قلبها فاق في إشراقه كل المجرات. لم تَدرُس في جامعات كبرى، ولم تُدرِّس في قاعاتٍ مرموقة، لكنها علّمت العالم درسًا نادرًا في الإنسانية، لا يُنسى.
جانيت إكوندايو… ذلك الاسم الذي لا تُدوِّنُه الموسوعات، ولا تفتحه محركات البحث بسهولة، هو في الحقيقة قصة مكتملة الأركان عن المعنى الحقيقي للأمومة، عن التضحية دون مقابل، عن الحب الذي لا يُقايض ولا يُقنّن، عن المرأة التي حولت بيتها الطينيّ إلى حضنٍ يتّسع لمئات الأرواح الصغيرة، التي لفظها القدر، فاحتضنها قلبها كما لو كان رحمًا ثانيًا.
إنها ليست حكاية عن امرأة فقط… بل عن الحنان حين يلبس جسدًا، عن الرحمة حين تتجسد في خطوات، عن الأم التي لم تلد أطفالها، لكنها ولدت فيهم الحياة من جديد. إنها قصيدة إنسانية تمشي على الأرض… امرأة واحدة، غيّرت العالم، لا بخطبٍ ولا بصور… بل بكفٍ تربت، وصدرٍ يُؤوي، وعينٍ لا تنام قبل أن ينام الأطفال جميعهم في أمان.
في هذا العالم المُنهك بالصخب، والضجيج، والبحث المحموم عن الذات، تمر بيننا أرواح نادرة، لا تلهث خلف المجد، ولا تحلم بالأضواء… بل تحيا في الظل، وتزهر بصمت، وتمنح الحياة معناها الأسمى دون أن تنبس بكلمة. واحدة من تلك الأرواح كانت امرأة نيجيرية بسيطة تُدعى جانيت إكوندايو، عُرفت بين أهل قريتها بلقبٍ محلي دافئ: "Olomo Yeye" – الأم التي لديها الكثير من الأبناء.
لكن ما لم تقله اللغة، وما عجز عنه الوصف، هو أن تلك المرأة لم تكن مجرد أم… بل كانت وطنًا.
البداية... حكاية قلب لا يعرف الحدود
في عام 1969، لم تكن جانيت تملك ثروة، ولا سلطة، ولا حتى منزلاً كبيرًا. كانت أرملة وأمًا لخمسة أطفال، بالكاد تملك ما يسدّ رمق يومها. لكن قلبها؟ كان بيتًا رحبًا مفتوح الأبواب، يتّسع لكل من لفظتهم الحياة.
في أحد أيامها العادية، بينما كانت تمرّ في أحد شوارع قريتها، سمعت بكاء طفل يتيم، منهك، وحيد، تائه. كان يمكنها أن تمرّ كما مرّ الجميع، أن تغمض عينيها وتكمل طريقها… لكنها لم تفعل. توقّفت، حملت الطفل، وأعادته إلى بيتها – بل إلى حضنها.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد أمًا لخمسة فقط، بل لأمّة من القلوب المكسورة.
بيت من طين... وقلب من نور
مرّ أكثر من 500 طفل من بين جدران بيتها المتواضع، الذي لا يعرف دفءَ الخشب ولا زهوَ الأثاث، لكنه كان يعرف جيدًا معنى الرحمة.
أطفال فقدوا آباءهم في الحروب، أوتتهم حين طردتهم الحياة. آخرون أُلقي بهم على أرصفة الألم، التقطتهم كمن يلتقط الجواهر، وربّتهم كأنهم جزء من روحها.
كانت تقول دائمًا:
"الله هو الرازق… وأنا فقط أداة في يده."
لم تكن تملك مالًا لتكفيهم، لكنها كانت تملك حبًا يكفي العالم.
كانت تطهو بيديها، تغسل ملابسهم، تقصّ ضفائر البنات، وتربت على أكتاف الصغار، كأنها خُلقت لتكون حضنًا دائمًا لا يذبل.
اسمها... نبوءة فرح
"إكوندايو"… اسمها، بل نبوءتها. في لغة اليوروبا، يعني الاسم: "الدموع تحوّلت إلى فرح".
وهل هناك اسم أصدق من ذلك؟
لقد كانت تجفف الدموع من عيون الأطفال، لكنها أيضًا كانت تمسح جروحًا غائرة في أرواحهم.
هي لم تكن ممرضة ولا طبيبة، لكنها عالجت قلوبًا كانت على وشك الموت. لم تكن معلمة، لكنها علمت أطفالها أسمى دروس الإنسانية. لم تكتب كتابًا، لكنها سطّرت أعظم قصة أمومة في صفحات النسيان.
التكريم... حين يغني القلب
لم يعرف العالم قصتها، حتى قررت الفنانة النيجيرية TY Bello أن تُعيدها إلى الواجهة، وأن تردّ شيئًا من الجميل، فأطلقت أغنية مؤثرة بعنوان "Olomo Yeye"، تحمل في طيّاتها كل الامتنان، وتسلّط الضوء على حياة امرأة تستحق أن تُروى في كل المدارس، وتُدرّس في كل مناهج الأخلاق.
ثم، كما عاشت بصمت، رحلت ماما إكوندايو في عام 2009… بلا ضجة، بلا تأبين، بلا جنازة تُنقل على الهواء… لكنها تركت خلفها أثرًا لا يُمحى، في وجوه مئات الأبناء الذين رأوا في وجهها أمًا، وفي صوتها دعاءً، وفي قلبها جنّة.
أكثر من مجرد امرأة... كانت معجزة
جانيت لم تكن مؤسسة خيرية، ولا حاملة لجائزة نوبل، لكنها فعلت ما عجز عنه أصحاب الملايين:
منحت الحياة لأرواح ماتت قبل أوانها، وأحيت الإحساس بالأمان في قلوب لفظها الوجود.
في زمن أصبح الحب فيه مشروطًا، والنوايا ملوّثة، والأمومة مجرّد لقب بيولوجي… جاءت ماما إكوندايو لتقول، بلغة الأفعال لا الأقوال:
"الرحمة لا تحتاج إذنًا… والحب لا يحتاج نسبًا."
الختام... حين يُصبح القلب وطنًا
قد لا تُكتب مذكراتها، وقد لا تحمل شوارع لاغوس اسمها، وقد لا يتذكرها المؤرخون… لكنّ في قلب كل طفل احتضنته، حكاية لن تموت.
حكاية امرأة أثبتت أن العظمة لا تُقاس بالمناصب، ولا تُوزَّن بالذهب، بل تُقاس بكمّ ما نمنحه للآخرين دون انتظار.
ماما إكوندايو لم تُغيّر دولة، لكنها غيّرت عوالم صغيرة كانت على شفا الانهيار.
كانت الحنان حين جفّ، والأم حين غابت الأمهات، والوطن حين لفظت الأوطان أبناءها.
قد تُمحى الملامح من الصور، وقد تُنسى الأسماء من الذاكرة العامة… لكن الأرواح التي منحت الحياة لغيرها، تظل محفوظة في أرشيف السماء، لا يطويها النسيان.
ماما إكوندايو لم تكن مجرد امرأة… كانت معجزة من لحم ودم. كانت رسالة مفتوحة من الله إلى العالم: أن الرحمة لا تحتاج ميزانية، وأن العظمة لا تُقاس بالأرقام، بل بما نتركه من أثر في قلوب الآخرين.
في زمنٍ تشوّهت فيه مفاهيم العطاء، وتحوّلت فيه الأمومة إلى عبء، كانت جانيت تمشي بثبات على درب الأنبياء… تأوي الطفل اليتيم، وتبتسم في وجه الخائف، وتقول لكل من لفظته الحياة:
"من اليوم، أنت ابني… أنت ابنتي… أنت لست وحدك بعد الآن."
لقد رحلت ماما إكوندايو بصمت، كما عاشت. لم تُشيَّعها مواكب، ولم تُكتب على قبرها قصائد، لكنّ كل طفل مسحت دموعه، هو الآن شاهد حيّ على جمالها.
ولأن من يزرع الحب لا يموت، فهي لم تمت حقًا. إنها باقية في ضحكة طفلٍ صار رجلًا، وفي حضن فتاةٍ كبرت على دفء روحها، وفي كل بيتٍ تعلم أن الأمومة ليست رحمًا فقط، بل رسالةٌ وسَفرٌ طويل من الرحمة والاحتواء.
فيا من تقرأ الآن، توقّف لحظة… واسأل نفسك:
كم من مرة عبرت بجوار الألم دون أن تراه؟
وكم من مرة أغلقنا أبواب قلوبنا في وجه من يحتاج لحضن؟
ماما إكوندايو لم تكن استثناءً… بل كانت الدرس الذي ننساه دائمًا:
أن نكون بشرًا، حقًا.
أن نكون قلوبًا تمشي على الأرض… لا أكثر، ولا أقل.
وحتى وإن رحلت، يبقى صدى كلماتها حيًّا في ذاكرة الزمن:
"من اليوم… أنت ابني."
فهل هناك أعظم من ذلك؟
هل هناك أنبل من أن تختار أن تكون أمًّا لكل أبناء الأرض… دون قيد أو شرط؟
رحمك الله، يا من كانت دموعك فرحًا… وكان قلبك وطنًا.
التعليقات الأخيرة