بقلم د/سماح عزازي
في كل بيت هناك قلب، وفي كل قرية هناك أم، لكن في "دلجا"، اختنق القلب وسقطت الأم، وساد وجوم ثقيل لا
يشبه الحزن العابر، بل يشبه النحيب المكتوم حين تصير الحياة نفسها عبئًا على من بقي.
في آخر فصول المأساة التي هزّت وجدان مصر، نُقلت والدة الأطفال الخمسة الذين فارقوا الحياة واحدًا تلو الآخر في قرية دلجا بمحافظة المنيا، إلى مستشفى أسيوط الجامعي في حالة صحية ونفسية متدهورة، فيما دخل الأب غرفة العناية المركزة بين الحياة والموت، ليكتمل المشهد المروّع الذي يعجز حتى خيال الأدباء عن صياغته.
لقد أُنهك البيت تمامًا… لم تبقَ فيه روح تقاوم، ولا جدار يستند إليه الألم. تلك الأسرة التي كانت تُعدّ الطعام وتراجع الدروس وتنتظر العام الدراسي الجديد، تحوّلت في أيام قليلة إلى عنوانٍ للمأساة ومشهدٍ متكرر للموت، لا تنقطع عنه الأخبار، ولا يهدأ عنده السؤال: من أطفأ نور هذا البيت؟
حين لا يقوى الجسد على مواصلة الوجع
الأم التي ودّعت خمسة من أطفالها، لم تكن يومًا امرأة عادية. كانت قلبًا يخفق بخمس نبضات، وروحًا موزعة على خمس أرواح. كانت تطبخ، وتغسل، وتضحك، وتغني لهم قبل النوم. كانت أمًّا كاملة حتى النهاية... حتى فُجعت بكل شيء.
ولأن الحزن إذا زاد يقتل، فإن جسدها لم يتحمل، ونقلها الأطباء في حالة من الانهيار العصبي والجسدي الكامل إلى مستشفى أسيوط الجامعي، حيث تخضع للرعاية المكثفة، في محاولة لإنقاذ ما تبقّى من الروح.
في الجناح المخصص لحالات الطوارئ النفسية، ترقد الآن بين الحياة واللاوعي، تسأل عن "رحمة" و"محمد" و"ريم" و"عمر" و"أحمد"... ولا تطيق أن تسمع الحقيقة، فالحقيقة صادمة أكثر من أن تُروى.
والأب... حين يضرب الحزن رجولة الجبال
أما الأب، الذي ظلّ واقفًا على أطلال البيت، يُسعف هذا، ويدفن ذاك، ويقف بين النيابة والمستشفى والمسجد، فقد سقط هو الآخر، تحت وطأة السؤال الذي لم يُجب عليه أحد: "لماذا نحن؟"
دخل الأب العناية المركزة وهو يعاني من هبوط حاد في الدورة الدموية وتدهور حاد في حالته الصحية والنفسية، بعدما أرهقه التحقيق، وأضناه الحزن، وأُنهك جسده من التنقل بين أبناءٍ لم يُمهلهم القدر فرصة النجاة، ولا أمٍّ تصرخ ثم تسقط صامتة كأنها ودّعت الكلام إلى الأبد.
البيت الذي فقد كل شيء
في دلجا، ذلك البيت أصبح بلا صوت، بلا ضوء، بلا دفء. الجدران تحفظ صدى الضحكات القديمة، وألعاب الأطفال ما زالت ملقاة في الأركان، والكتب المدرسية مفتوحة على دروس لم تُكمل، والوسائد لا تزال تحمل رائحة الصغار.
الشارع المجاور يمرّ منه الجيران في خشوع، لا يطرق أحد بابًا، ولا يجرؤ أحد على رفع عينيه ناحية النوافذ المغلقة.
إنه البيت الذي علّق الحزن على بابه، وترك فيه خمسة أسماء مكتوبة على الشواهد الصغيرة، ووالدين يصارعان ما بقي من العمر، إن بقي.
التحقيقات مستمرة... والغموض يزداد
ورغم مرور أيام على بداية الكارثة، فإن الجهات الرسمية لم تُعلن حتى الآن عن السبب القاطع وراء الوفيات الخمسة.
وزارة الصحة نفت وجود التهاب سحائي، وأكدت سلامة التحاليل البكتيرية، بينما تُرجّح المؤشرات الأولية وجود تسمم غذائي أو كيميائي أو مواد ضارة مجهولة المصدر.
النيابة العامة وسّعت دائرة التحقيق، وأمرت بسحب عينات من المياه والطعام والبيئة المحيطة، كما أمرت بتشريح الجثامين، واحتجزت الطفلتين الناجيتين سابقًا "فرحة" و"رحمة" قبل أن تلحق "رحمة" بإخوتها، تاركة "فرحة" وحيدة تحت المراقبة الطبية.
واليوم، تُضاف الأم إلى طابور الألم، ويُضاف الأب إلى لائحة المصابين بجراح لا تُرى.
أهذه نهاية الحكاية؟ أم بدايتها؟
سؤال يؤرق الجميع: هل هي مصادفة مميتة؟ أم جريمة مكتملة الأركان؟
هل الأسرة تناولت شيئًا مسمومًا؟ أم أن هناك من دقّ باب الشرّ على بيت لا يملك إلا الدعاء؟
هل سينقشع هذا الغموض أخيرًا، أم سنودّع القضية كما ودّعنا قضايا أخرى سبقتها، وعلّقت على شماعة "القضاء والقدر"؟
قرية دلجا اليوم لا تريد عزاءً جديدًا، بل تريد الحقيقة.
والمصريون الذين وقفوا أمام الشاشات مشدوهين لا يريدون دموعًا جديدة، بل يريدون جوابًا واحدًا: من قتل هؤلاء الأطفال؟ ولماذا؟
دلجا لم تمت، بل تنزف... والعدالة وحدها تملك العلاج
في وطنٍ يعلو فيه صوت الحزن على صوت الفرح، لا بد أن يُقال ما لم يُقل، وأن تُسمع الحقيقة لا التبريرات.
إن أسرة "ناصر" ليست رقماً في تقرير طبي، ولا حالةً في سجلات الطب الشرعي، بل قصة إنسانية تنبض بكل ما نملك من عاطفة وكرامة وخوف على المستقبل.
وإذا سُمح للحزن أن يمرّ هكذا، دون محاسبة، فإن الوطن كله سيكون مهددًا بأن يتحول يومًا إلى "دلجا" أخرى.
اللهم ارحم الأطفال، واشفِ الأم، وآنِس وحشة الأب، واجعل من هذه المحنة درسًا لا يُنسى، وصوتًا لا يُطفأ حتى تتحقق العدالة، ولو تأخرت.
دلجا تناديكم... فهل من مجيب؟
التعليقات الأخيرة