بقلم د/سماح عزازي
في زاوية هادئة منسية من صعيد مصر، حيث تمتد جذور الطيبة بين نخلات الصبر وبيوت الطين المتراصة في قرية "دلجا" التابعة لمركز ديرمواس بمحافظة المنيا، انقلبت حياة أسرة بسيطة إلى ما يشبه الكابوس، حينما بدأت مأساة تُوجع القلب وتُزلزل الروح. قصة لا تشبه القصص، بل جرح غائر في وجدان وطن بأكمله. خمسة أطفال، أشقاء من لحم ودم واحد، رحلوا واحدًا تلو الآخر في أيام معدودات، وسط غموض مطبق وأسئلة ثقيلة تتدحرج على ألسنة الأهالي: ماذا حدث داخل هذا البيت؟ ولماذا خذلت الحياة أبناءه دفعة واحدة؟
البداية.. حين صمت الطفل الأول
كل شيء بدأ كعرض عارض. ارتفاع في الحرارة، قيء متكرر، آلام بالبطن. لا أحد انتبه في البداية. الأطفال يمرضون ويشفون، هذا أمر مألوف في بيوت الريف التي اعتادت أن تداوي أبناءها بالأعشاب والصبر والدعاء. لكن في هذه المرة، لم يكن المرض اعتياديًا.
سقط الطفل الأول "عمر" (7 سنوات) بين يدي والدته، ولم يلبث أن فارق الحياة. لم يكد يُدفن حتى لحق به شقيقه "محمد" (11 عامًا)، ثم "ريم" (10 سنوات)، وبعدها "أحمد" (5 سنوات). أربعة نعوش صغيرة خرجت من بيت واحد.. في أربعة أيام متتابعة. كان الموت يطرق الباب بلا رحمة، ولم يفهم أحد لماذا.
"رحمة" الأخيرة.. والاسم يحمل الأمل والخذلان
وسط الذهول والحزن، تعلّقت الأسرة بآخر خيط من الأمل. الطفلتان "فرحة" و"رحمة" نُقلتا إلى المستشفى بعد ظهور نفس الأعراض عليهما. وبينما استقرت "فرحة" تحت الملاحظة، كانت "رحمة" تقاتل وحدها في صمت على سرير العزل بمستشفى السموم، تصارع الألم كما صارعته أشقاؤها الأربعة. لم يُسمح لذويها بزيارتها. فقط نظرات القلق والحزن عبرت الجدران، ودعوات خافتة رفعتها أمٌ كسرت الخسارة قلبها، حتى جاء الخبر فجر اليوم: "رحمة ماتت".
وهكذا اكتمل المشهد المأساوي. خمسة أطفال، من بيت واحد، في أسبوع واحد، رحلوا إلى السماء، وتركوا خلفهم أمًا مكلومة لا تعرف كيف تحيا، وأبًا تحت دائرة التحقيق، وقرية بأكملها تئن في صمت يختلط فيه الدعاء بالحيرة والخوف.
الصمت الرسمي.. والقلق الشعبي
بين الشائعات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، وتكتم الجهات الرسمية، عاش الناس لحظات من الرعب الحقيقي. أشيع أن السبب التهاب سحائي، ثم نُفي ذلك بعد تحاليل الـ PCR التي أثبتت عدم وجود أي عدوى بكتيرية. وأشارت وزارة الصحة إلى أن الوفيات المتزامنة بهذا الشكل تُرجّح وجود تسمم كيميائي أو غذائي، لا عدوى.
ووسط هذا الغموض، تواصل النيابة العامة تحقيقاتها. استمعت إلى أقوال الأب وزوجته، أمرت بتشريح الجثث، سحبت عينات من الطعام والماء، وقررت التحفّظ على الطفلتين "رحمة" و"فرحة" لمنع أي تدخل خارجي قد يؤثر على سلامتهما.
دلجا حزينة.. والمأساة أكبر من أن تُصدّق
في دلجا، لم ينم أحد. القرية التي عُرفت بالطمأنينة والتراحم، تحوّلت إلى مأتم كبير. خمسة توابيت بيضاء غادرت من باب واحد. مشهد لا تحتمله القلوب. لا حديث في المقاهي أو البيوت أو الشوارع إلا عن مأساة "بيت الأشقاء". وكل أم تنظر إلى أطفالها، وكل أب يضم أولاده إليه، كأن الخطر لم يرحل بعد، وكأن الحزن سيظل ساكنًا في الأعين إلى أن تظهر الحقيقة.
أين الحقيقة؟
ما زالت الأسئلة تتكاثر:
هل الأمر مجرد تسمم؟
هل هناك شبهة جنائية؟
هل أصيب الأطفال بمبيد حشري أو مادة كيميائية قاتلة؟
ولماذا لم يُنقذ أيٌّ منهم في الوقت المناسب؟
هل البيئة داخل المنزل غير صالحة؟ أم أن الطعام كان فاسدًا؟
وهل هناك أحد أراد بالأطفال سوءًا؟
الإجابات في يد الطب الشرعي. التحقيقات ما زالت جارية. والتقارير النهائية لم تصدر بعد. وحتى تصدر، يظل الرعب سيّد الموقف، ويظل بيت "ناصر" بلا ضوء، بلا ضحكة، بلا حياة.
وجع لا يحتمله القلب
في تصريح باكٍ، صرخت الأم المكلومة: "أنا مش عايزة أعيش بعدهم"، وهي التي ودّعت صغيرًا بعد آخر، حتى جفّ الحنان من يديها، وجفّ الدعاء من شفتيها. رحمة، كانت الأمل الأخير، لكنها رحلت كمن سبقها. وحدها “فرحة” بقيت في العزل، في انتظار مصيرها، أو ربما في انتظار أن تروي لنا ما لم يفصح عنه أحد.
الوداع الأخير.. هل يكون نهاية الحكاية؟
خمس نعوش صغيرة خرجت من بيتٍ واحد، حملت معها براءة الطفولة، وأحلامًا لم تكتمل، وأسئلة ما زالت تبحث عن إجابة. وفيما تُواصل الجهات المعنية تحقيقاتها وتحاليلها، لا تملك "دلجا" إلا الدعاء، ولا تملك مصر كلها إلا أن تقف احترامًا وألمًا أمام مأساة إنسانية لا مثيل لها.
ويبقى السؤال معلقًا في السماء:
من قتل الأطفال الخمسة؟
ولماذا؟
وكيف؟
ومتى نعرف الحقيقة؟
وهل نكتفي بالبكاء على “رحمة” وإخوتها؟ أم أننا مطالبون بالعدالة، بالكشف، بالحقيقة مهما كانت موجعة؟
"بين خمس نعوش... وطن يفتش عن الحقيقة"
رحل الأطفال الخمسة، كما ترحل الزهور في عز الربيع... بلا وداع، بلا تفسير، بلا ذنب. لم يعرفوا من الحياة إلا براءتها، ولم يتورطوا في خطايا الكبار. غادروا سريعًا، كأنهم في سباق نحو السماء، أو كأنهم اتفقوا سرًا على الرحيل، كي لا يُكمل أحدهم لعبةً ناقصة أو أحلامًا مبتورة.
لكن الوطن لا يكتفي بالبكاء، ولا تليق به المراثي وحدها.
هذا الوطن الذي أنجب طه حسين وعبد الناصر وأم كلثوم، لا يجب أن يعجز عن معرفة من قتل "محمد" و"ريم" و"عمر" و"أحمد" و"رحمة".
لا يليق بنا أن نغلق دفاتر التحقيق على سطور غير مكتملة، وأن نقبل أن تُطوى الحكاية في أرشيف النسيان، كما طُويت مآسي كثيرة قبلها.
نحن أمام سؤال وجودي: هل حياة الأطفال رخيصة إلى هذا الحد؟ وهل البيوت الفقيرة قدرها أن تُفتّش عن العدالة وسط ركام الشك والإهمال والتكتم؟
في كل بيت مصري اليوم "رحمة" نائمة، و"أحمد" يلعب في ركن الغرفة، و"ريم" تذاكر، و"محمد" يحلم أن يصبح طبيبًا، و"عمر" يحتضن لعبته...
فهل ننتظر أن تزورهم المأساة لنفيق؟
أيها المسؤولون، أيها الأطباء، أيها المحققون...
ليست القضية فقط في معرفة السبب، بل في أن لا تتكرر، وأن لا يتخذ الموت من صعيدنا طريقًا سهلاً، يمر فيه دون مقاومة أو سؤال.
دلجا تنتظر، ونحن معها ننتظر.
لا نريد تأويلات، ولا تخمينات، ولا تسويفًا تحت شعار "التحقيقات جارية".
نريد الحقيقة، وإن كانت مرّة،
ونريد العدالة، وإن تأخرت،
ونريد لأرواح الأطفال أن ترقد، في سلامٍ يُنصفها، لا في صمتٍ يخذلها.
اللهم اربط على قلوبهم، وارحم الأطفال، وأنزل بردًا وسلامًا على هذا البيت الذي عانق الوجع ودفن الفرح.
التعليقات الأخيرة