add image adstop
News photo

"رسائل لم تصل… وقلوب لم تنسَ" مجموعة قصصية إنسانية من زمن لا يُكتب فيه الحب، بل يُشعر القصة التاسعة عشر حذاء عند حافة السجادة

 

 

بقلم د/ سماح عزازي

 

في كل بيت، هناك شيء ما لا يُحرَّك...

لا لأنه بلا قيمة، بل لأن في ثباته حياة كاملة.

قد يكون صورة قديمة، أو وشاحًا مطويًا، أو حذاءً عند حافة سجادة، نجا من الزمن ولم ينجُ من الذكرى.

 

هناك أشياء نظنها جمادات، لكنها تخفق، تتنفس، وتبكينا دون صوت.

تلك الأشياء لا تُترك حيث سقطت، بل حيث اشتعل فيها الغياب، واستقر الوجع في تفاصيلها.

 

هذه الحكاية ليست عن الحذاء فقط، بل عن خطوات لم تُكمل طريقها،

عن صوت لم يعُد يُسمع، لكنه ما زال يُطرق في القلب…

عن قلب أنثى علّقت حبّها في ركنٍ صغير، وانتظرت أن يعود الصوت… من حافة السجادة.

 

في ركنٍ صغير من البيت، تمامًا عند حافة السجادة العجمية القديمة، وُضع حذاء رجالي أسود، لم يُحرّك منذ أعوام.

لا أحد يلبسه. لا أحد ينظفه. لكنه لا يُزال.

كأنه لم يكن مجرد حذاء… بل بقايا خطوة، وظلّ غائب، وأثرٌ لصاحبٍ لا تزال الأرض تفتقد وطأته.

 

كان البيت يبدو كاملاً، لكنه لم يكن كذلك.

فالفراغ لا يُقاس بحجم الأثاث، بل بعدد الخطوات التي توقفت عن المرور، وبعدد الكلمات التي لم تُقل منذ آخر مرة خرج فيها صاحبه وهو يلبس ذاك الحذاء.

 

كانت زوجته تنظف المكان كل يوم، ترتب السجادة، تمسح الأثاث، تهوّي الوسائد… لكنها لا تقترب منه.

كأن لمسة واحدة قد تمحو رائحته، أو تُحرّك الغياب الذي بالكاد استقرت عليه.

 

"اتركه كما هو"، كانت تقول لابنها حين حاول نقله يومًا،

"الحذاء لا يُخصّ القدم فقط، بل القلب أيضًا…"

 

كان الحذاء صغيرًا في عيون الغرباء، لكنه كان كل الذاكرة بالنسبة لها.

هو ما تبقى من خطوات شاركها بها الممر، وضحكة قالها وهو يربط رباطه على عجل، ورسالة صامتة مفادها: "كنت هنا… وأحببتك بصوت قدمي."

 

لم يكن الحذاء نظيفًا، ولا لامعًا.

به بعض الغبار، وربما خطّ خافت من طين قديم لم يجف

 أبدًا. لكنها كانت ترى فيه وجهه…

وجه الرجل الذي مضى فجأة، دون أن يودّع، وترك لها البيت كاملاً… إلا من حضوره.

 

أحيانًا كانت تجلس إلى جواره، لا تبكي، لا تتكلم، فقط تحدّق فيه، كما تحدّق العيون في الغياب الطويل…

كأنها تراه داخله، يسمع صوت وقع خطواته يعود، يفتح الباب، يدخل، يخلعه، ثم يقول ضاحكًا:

 

"نسيت أن أمسح قدمي من المطر."

 

تبتسم حين تتذكر ذلك…

كانت تمسك منشفة قديمة وتجري وراءه، تغضب، تصرخ، ثم تضحك.

وهو… كان يحب غضبها، لأنه يعرف أنه يحمل في طياته خوفًا ناعمًا، وخشيةً من أن يصاب بنزلة برد، لا أكثر.

 

حين رحل، لم تقل لأحد إنها احتفظت بحذائه.

لم تعلن الحداد، ولم تغلق قلبها، لكنها جعلت من ركن السجادة مزارًا خفيًا…

كل من يراه لا يسأل، وكل من يقترب منه يشعر بحاجة غامضة إلى التراجع.

 

كانت تجلس أمامه، تمسح الغبار حوله فقط،

ثم تهمس:

"أعرف أنك لن تعود، لكنني أيضًا لا أملك الشجاعة لأن أخرجك من هنا."

 

كانت تقف كل مساء عند باب الغرفة، لا تدخل، لا تقترب، فقط تنظر من بعيد.

تحدّق في الحذاء البنيّ القديم، كما لو كان كائنًا يتنفّس الصمت وينزف الماضي.

لم يكن مجرد حذاء، بل كان ذاكرة تلبس جلدًا، وأثراً محفورًا على عتبة الرحيل.

 

تتذكر صوت خطواته وهو يخلعه بلطف عند حافة السجادة،

كأنّه كان يخلع العالم عن قدميه ليبقى معها، خفيفًا، كما كانت تحب. تتذكر كيف كان يربّت عليه بيده قبل أن يضعه، وكيف كان يقول ضاحكًا:

"هذا الحذاء لا يسير وحده… هو يعرف طريق العودة إليك."

 

لكن الطريق انقطع، وظلّ الحذاء واقفًا هناك، لا يمشي، لا يُعاد ارتداؤه…

كأنّه قرر أن يعتزل العالم مثلها،

أن يبقى متسمّرًا عند حافة الذكرى، شاهدًا على آخر وداع لم تنطق فيه بشيء،

سوى دمعة سقطت على السجادة، ولم تجفّ بعد.

 

أحيانًا كانت تشعر أن الحذاء يشتاق،

أنّه حين تشتدّ وحدتها، ترتجف شفتاها،

ويتسرب دفء غامض من ذلك الركن،

كأن الخطوات القديمة تعود لتداعب أطراف السجادة وتقول لها:

"لم أغادر تمامًا… لقد تركت شيئًا مني هنا، كي لا تبكي وحدك."

 

ذات ليلة، دخل حفيدها الصغير، سألها وهو يشير للحذاء:

"ليه سايبه ده؟ مش حد هيستخدمه؟"

 

قالت له، وهي تربّت على رأسه:

"في حاجات مش بنستخدمها يا حبيبي… بنفتكر بيها، وبنحب من خلالها."

 

سكت الصغير، لكنه لم ينسَ عبارتها.

كبر وهو يرى الحذاء مكانه، لا يقترب، لكنه يشعر به كقطعة من قلب جدته…

وجزء من حكاية لم تُروَ له، لكنها سكنت البيت كله.

 

مرت الأعوام، كبرت الجدة، ووهنت عيناها، لكن كانت

 ما تزال تحفظ مكان الحذاء.

لم تخنه الذاكرة، ولا خانها الحنين…

بل صارت أكثر إيمانًا بأن الحب لا يزول برحيل الجسد، 

بل يُخلّد في أشياء بسيطة…

كحذاء على حافة السجادة.

 

وفي أحد الصباحات، لم تفتح الجدة الباب كعادتها.

دخل حفيدها، فوجدها جالسة على الأريكة، تمسك الحذاء بين يديها، وعيناها مغمضتان، كأنها تغفو على وقع خطوات أخيرة لا تُسمع.

 

لم تكن نائمة فقط… كانت تمضي نحوه بخفة، كأنها لحقت خطاه، وركضت على أثره، ثم وصلت أخيرًا.

 

وبقي الحذاء…

 

وضعوه كما هو، في صندوق زجاجي عند مدخل البيت،

وكتبوا تحته:

 

"بعض الأحذية لا تُلبس، لأنها مشبعة بخطى من نحب، وبعض الأماكن لا تُكنّس، لأن الغياب يسكنها… ويتنفس منا عبرها."

 

تمرّ الأيام، وتتغيّر البيوت، يُعاد ترتيب الأرائك والذكريات،

لكن بعض الزوايا تظل عصيّة على التغيير…

لأن فيها أثرًا من حبيب غادر، ولم يُغادر تمامًا.

 

لقد ظلّ الحذاء هناك، لا ليُنتعل، بل ليُذكِّر،

لا ليُستخدم، بل ليُبقي على الودّ بين الغائب والمكان.

ظلّ صامتًا، لكنه كان يقول كل ليلة:

"كنت هنا… وما زال ظلّي دافئًا على هذه الأرض."

 

في النهاية، نحن لا نبكي على الأحذية، بل على من كانوا يملأونها حياة،

نخاف أن نكنس الغبار من حولها،

لأننا نعلم… أنه ليس غبار الزمن، بل غبار الحنين.

 

وهكذا…

بقي الحذاء عند حافة السجادة،

كأنما يحرس طرف قصة لم تُغلق،

ويهمس لكل عابر:

"هنا… كانت خطواته الأخيرة، وهنا… لا تزال تنتظره."

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى