add image adstop
News photo

"رسائل لم تصل… وقلوب لم تنسَ" مجموعة قصصية إنسانية من زمن لا يُكتب فيه الحب، بل يُشعر القصة الثامنة عشر "على حافة المقعد الخشبي"

 

بقلم د/ سماح عزازي

 

في زوايا المدن الهادئة، في الحدائق التي يتناقص زوّارها بمرور الزمن، هناك مقعد خشبي قديم لا يحمل رقمًا ولا لافتة… لكنه يحمل ذاكرة.

ليس كل ما نحفظه يكون بين دفّتي كتاب أو في ألبوم صور. أحيانًا، نعلّق حكايتنا على حافة خشبٍ صدئ، لا لأنه يليق بها، بل لأنه الوحيد الذي ظلّ يستمع… ولم يغادر.

 

الحب الحقيقي لا يحتاج مسرحًا كبيرًا أو مشهد وداع درامي. يكفيه مقعد صغير، وموعد متكرر، ونبض لا يُعلن عن نفسه.

يكفيه أن تكون هناك، كل خميس، في ذات الساعة، بنفس الفستان، تنتظرين من وعد… وغاب.

أن تتركي مكانه فارغًا، لا تعبّئيه بشيء، لأنك تعرفين أن حضوره أقوى من أن يُملأ بأي غريب.

 

في عالم لا يتقن الانتظار، تصبح المرأة التي تحفظ وعدًا على مقعد خشبي… امرأة تشبه الأسطورة.

امرأة لم يخذلها الغياب، بل أخذته إلى صدرها وعلّقته هناك كصورة لا تصفرّ مع الوقت.

 

هذه ليست حكاية غياب فقط…

بل حكاية من أحبّت، فحفظت، فانتظرت…

ولم تبكِ لأن أحدهم لم يأتِ، بل لأن قلبها لم يتعلّم أن يجلس إلا على حافة ذلك المقعد.

فالحكايات العظيمة لا تُكتب كلها… بعضها يُترك على خشبٍ قديم، في ظلّ شجرة، بين صفحة مطويّة، وزفرة لا تُقال.

 

في كل مدينة، هناك مقعد خشبي مهجور، لا يُجلس عليه الغرباء كثيرًا. لا لأنه مكسور، بل لأن عليه ظلًّا لا يُرى، ودفئًا لا يصدر من الشمس، بل من قلبٍ جلس عليه يومًا… ولم يقم حقًا.

 

هو ليس مقعدًا فقط… بل حكاية كاملة، لا تبدأ من أول الخشب، بل من أول انتظار.

على هذا المقعد، جلست هي مرارًا، في ذات الوقت، وذات المكان، تقرأ ذات الصفحة… لكن بعينين لا تريان الكلمات.

 

كان الوعد بسيطًا:

"سأقابلك كل خميس، هنا… على هذا المقعد، في تمام الخامسة."

وصدقته… كما يصدق القلب ما يتمنى، لا ما يراه.

 

في البداية، جاء. كان يحمل قهوته، ويجلس بجانبها بهدوء، يتحدثان عن كل شيء، ولا شيء. عن الطقس، والكتب، وأحلامهما المؤجلة.

كانت ضحكته تهزّ قلبها قبل أن تلامس أذنها، وكان صوته يعرف طريقه مباشرة إلى وجدانها… بلا مقدمات.

 

قال لها ذات يوم:

"هذا المقعد صار يشبهكِ… حين أفتقدك، أجيء إليه."

 

وحين تأخر لأول مرة، قالت لنفسها:

"ربما عرقلته الحياة."

وحين تأخر ثانيًا، قالت:

"ربما نسي أن اليوم خميس."

وحين اختفى، لم تقل شيئًا.

فالقلب حين ينكسر لا يُحدِث صوتًا… لكنه ينهار داخله آلاف المرات.

 

لم تسأله لماذا غاب. لم ترسل له رسالة، ولم تُعاتب.

لكنها كانت تأتي كل خميس، تجلس على ذات المقعد، وتترك جانبًا فارغًا… كأنه ظلّه.

كانت تترك مكانه كما هو، لا تميل نحوه، لا تضع حقيبتها فوقه… بل تتركه ينتظره، كما تنتظره هي.

 

كانت كل خيوط الفستان تعرف الطريق إلى المقعد، 

كما تعرف الأصابع طريقها إلى مواطن الحنين.

لم تكن تجلس عليه فقط، بل كانت تستكين في حضن

 ذاكرةٍ كاملة، وكأنها تعود إلى حضن من تحب… لا بوجوده، بل بظلّه الذي ما زال يملأ المكان، ويشغل الهواء، ويصمت بصوته القديم.

 

كانت تجلس وكأنها تؤدي طقسًا مقدّسًا، لا تقطعه نظرات المارة، ولا تفسده أصوات الباعة،

فالعالم حينها يختفي، ويتقلص، ويغدو كلّه دائرة صغيرة تتّسع بالكاد لقلبٍ يُصرّ أن لا ينسى.

لم تكن تنتظر قدومه فحسب، بل كانت تنتظر نفسها التي كانت معه… تلك التي تضحك بصدق، وتتكلم بلا خوف، وتحلم دون حدود.

 

كانت تضع يدها على الخشب الخشن، كأنها تلمس ذاكرته، وتسمع من بين شقوقه صوت خطواته القديمة وهو يقترب، ووقع ضحكته حين كان يُفاجئها بوردة دون مناسبة، أو بقبلة على ظهر كفها، كأنها كنزٌ لا يُلمس إلا بقداسة.

ذاك المقعد… لم يكن مجرد مكان. كان زمنًا محفوظًا في هيئة خشب. كان سطرًا من رواية حُبّ لم يُكمل، لكنه لم يُمحَ أيضًا.

 

وكلما لامست يديها مسند المقعد، كان قلبها يهمس:

"هنا جلستَ… وهنا قلتَ… وهنا وعدتَ."

وهنا أيضًا، انكسر كل شيء، إلا أنا.

 

مرّت السنوات، تغيّرت الأشجار، تآكلت أطراف المقعد، صار الخشب يئن تحت وطأة الزمن، لكنّها كانت تراه كما كان: دافئًا، حيًّا، مليئًا به.

 

لم تكن مجنونة كما ظن البعض، ولم تكن عالقة في الماضي كما قال الآخرون،

بل كانت فقط… وفية لذاكرة لم تُنصفها الحياة.

 

كانت تكتب له رسائل في ذهنها كل خميس، تبدأها بـ:

"عزيزي الغائب… ما زلت أجلس هنا، على حافة الوعد، فلا تتأخر أكثر."

 

أحيانًا، كانت تضحك بصوت خافت، كأنها تستمع إلى نكتة قديمة،

وأحيانًا، كانت تمسح دمعة خجولة، كأن الهواء مرّ على صفحة القلب وحرّك شيئًا لم يُرمم بعد.

 

مرّت عليها مواسم كاملة وهي تجلس هناك:

الربيع الذي كانت تراه في عينيه،

الصيف الذي كان يشتكي حرارته بصوت ضاحك،

الخريف الذي يشبه غيابه،

والشتاء الذي طال أكثر من اللازم.

 

وفي أحد الأيام، جلس شاب على الطرف الآخر من المقعد، التفت إليها وسألها:

"تأتين كثيرًا إلى هنا، أليس كذلك؟"

 

ابتسمت، وقالت بصوت لم يعد يرتجف:

"نعم… أنا أنتظر شخصًا وعدني أن يعود."

ردّ الشاب وهو يربّت على ظهر المقعد:

"هل عاد؟"

قالت وهي تنظر للفراغ بجانبها:

"ربما لم يرحل أصلاً… فقط لم يَعُد جسده."

 

ثم سكتت، وأكملت في سرّها:

"لكن قلبه هنا… على هذا الخشب، في هذا الهواء، وفي هذا الصمت الذي يُشبهه."

 

في ذلك اليوم، كتبت آخر رسالة ذهنية، لكنها لم تبدأ بـ "عزيزي الغائب"، بل بدأت بـ:

"إلى من علّمني كيف يكون الحضور أقوى من الغياب… شكراً لأنك لم تأتِ، فقد جئتني ألف مرة دون أن أشعر."

 

وذات مساء، لم تأتِ.

ولم تجلس على المقعد.

ولم يُفتح كتابها.

ولم تُترك المساحة الفارغة كما اعتادها الغائبون.

 

ولم يسأل أحد لماذا…

لكن المقعد ظلّ دافئًا، كأنها تركت شيئًا منها عليه…

ظلّ يحتفظ برائحة فستانها، بطرف حديث لم يُكمل، 

بضحكة علقت بين خشبه والهواء،

وظلّ يترك جانبًا فارغًا… كما اعتاد

 

مرّت الأيام، وانتبه الناس أن السيدة التي كانت تداوم على الجلوس، لم تعد.

 

لكن على المقعد، وُضعت وردة جافة، وبطاقة مكتوب عليها:

"بعض الأماكن تحفظ الوفاء… حتى بعد أن يغيب الرفيق."

 

ومنذ ذلك الحين، صار المقعد مزارًا خفيًّا للعشاق الصامتين.

يجلس عليه من فقد، من انتظر، من لم يُفهم، ومن كتب رسائل ذهنية لم تجد بريدًا.

 

وصار كل من يمرّ بجواره، يشعر بشيء لا يُشرح…

دفء خفي، صدى همسة، أو رائحة وعدٍ لم يكتمل.

 

في زحام المدن، هناك دائمًا مقعد ينتظر.

وفي قلب كل أحد… وعدٌ لم يُغلق.

 

بعض الغائبين لا يغادرون…

بل يتحوّلون إلى خشبٍ لا يُكسر، وظلالٍ لا تمحى، 

وأحاديث داخلية لا تخفت.

 

لم تكن هي وحدها من جلست على المقعد…

بل جلست على امتداد غيابٍ كبير،

وسكنت مساحة ظلّه، واحتفظت بالفراغ كما لو كان 

قلبًا لم يُملأ من بعده.

 

كلّ ما في المدينة تغيّر… الوجوه، الأشجار، لون السور، حتى الطيور هجرت غناءها، إلا ذلك المقعد.

ظلّ على حاله، يصمت حين تجلس، ويحنّ حين تغيب.

كأنّه تعلّم من قلبها كيف يكون الوفاء… رغم التآكل، رغم الانتظار، رغم أن الحياة تمضي ولا تلتفت للخلف.

 

وحين مرّ أحد العشاق الجدد بجواره، قال لصاحبته:

"دعينا لا نجلس هنا… هذا المكان يشبه أحدًا آخر."

 

ابتسمت الفتاة دون أن تفهم…

لأن بعض المقاعد لا يُجلس عليها مجددًا،

وبعض الأماكن تُغلق على ذاكرة… ولا تُفتح.

 

الحب ليس خاتمة سعيدة ولا نصًا مُكتملًا،

هو مجرد مكان محفوظ في القلب، وفي المدينة، وفي المقعد الخشبي الذي ظلّ يشهد على خميسٍ لم يأتِ… لكنه لم يُنسَ.

 

فالغياب لا يُقاس بعدد الأيام، بل بوزن الذكرى.

والمقعد الذي تركته، لم يعد مجرد خشب… بل صار شاهدًا صامتًا على أن هناك قلبًا جلس يومًا… ولم يغادر أبدًا.

 

هكذا تمضي الحكايات التي لم تُكتب…

تجلس على المقاعد الخشبية،

تترك فراغها دافئًا،

وتنتظر من لا يجيء…

لكنها لا تنكسر، لأنها تعلم أن الحب الحقيقي… لا يحتاج

 جسدًا ليُرى.

 

أحيانًا، يكفي مقعد… لتجلس عليه ذاكرة كاملة.

التعليقات الأخيرة

اترك تعليقًا

الأعلى